محمد حسين الذهبي

291

التفسير والمفسرون

لكان لهذه الأمة رسل كثيرون متعددون بعدد أهل الرأي ، المكلفين للناس بما لم يكلفهم اللّه به . وإن من أعجب الغفلة ، وأعظم الذهول عن الحق ، اختيار المقلدة لآراء الرجال ، مع وجود كتاب اللّه ووجود سنة رسوله ، ووجود من يأخذونهما عنه ، ووجود آلة الفهم لديهم ، وملكة العقل عندهم « 1 » ) اه . وفي سورة التوبة عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 31 ) « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » يقول ما نصه : ( . . وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين اللّه ، وإيثار ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز ، والسنة المطهرة ؛ فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدى بقوله ، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة ، مع مخالفته لما جاءت به النصوص ، وقامت به حجج اللّه وبراهينه ، ونطقت به كتبه وأنبياؤه ، هو كاتخاذ اليهود والنصارى الأحبار والرهبان أربابا من دون اللّه : للقطع بأنهم لم يعبدوهم ، بل أطاعوهم ، وحرموا ما حرموا ، وحللوا ما حللوا وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة ، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة ، والتمرة بالتمرة ، والماء بالماء . فيا عباد اللّه ، ويا أتباع محمد بن عبد اللّه : ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا ، وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد اللّه لهم بهما ، وطلبه منهم للعمل بما دلا عليه وأفاداه ؟ فعلتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق ، ولم تعضد بعضد الدين ، ونصوص الكتاب والسنة تنادى بأبلغ نداء ، وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه ، فاعرتموهما آذانا صما ، وقلوبا غلفا ، وأفهاما مريضة ، وعقولا مهيضة ، وأذهانا كليلة ، وخواطر عليلة ، وأنشدتم بلسان الحال : وما أنا إلا من غزية إن غوت * غويت وإن ترشد غزية أرشد فدعوا - أرشدكم اللّه وإياي - كتبا كتبها لكم الأموات من أسلافكم ، واستبدلوا بها كتاب اللّه خالقهم وخالقكم ، ومتعبدهم ومتعبدكم ، ومعبودهم

--> ( 1 ) ج 2 ص 189