محمد حسين الذهبي

278

التفسير والمفسرون

فقال في شرحه لقوله تعالى في الآية ( 35 ) من سورة النور « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ . . . الآية » . ( أطلق لفظ شجرة مباركة زيتونة على مظهر أمر اللّه ، ومطلع شمس حقيقته وذاته . ومشرق أنوار أسمائه وصفاته ، فإن من هذه السدرة المباركة وحدها تتألق وتضيء الأنوار الإلهية ، وتشرق وتلمع أشعة العلم والقوة ، والقدرة الملكوتية السماوية ، وهذه استعارة في غاية الرقة واللطافة ، وتجوز في نهاية اللطافة والبراعة ، لم يوجد مثلها إلا في الكلمات النبوية ، ولم يسمع شبيهها إلا من نغمات طيور القدس في الحدائق القدسية ) . . . قال ( وكذلك في الآية « 60 » من سورة بني إسرائيل ، أطلق لفظ الشجرة الملعونة : استعارة على أعداء اللّه » ومحاربي رسول اللّه ، من السلالة الأموية ، والسلطة العضوضية السفيانية ، حيث قال جل وعلا « وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ . . . ) اه « 1 » هذه نبذ من تأويلات البابية للقرآن الكريم ، تعطينا دليلا قويا ، وبرهانا صادقا على أن المذهب البابي ، أو البهائي يقوم على أطلال الباطنية ، ويحمل في سريرته القصد إلى هدم شريعة الإسلام بمعول التأويل في آيات القرآن ، ودعوى النبوة والرسالة ، بعد أن ختمها اللّه برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم . وإذا كان لنا كلمة بعد ذلك فهي . أن البابية والبهائية وأسلافهم من الباطنية ، لم يكونوا أول من ابتدأ التأويل لنصوص الشريعة على هذه الصورة التي تأتى على بنيان الدين من قواعده ، وإنما هو صنيع قلدوا فيه طائفة من فلاسفة اليهود الذين سبقوهم ، فهذا هو ( فيلون ) الفيلسوف اليهودي المولود ما بين عشرين وثلاثين سنة قبل الميلاد ، نجده ألف كتابا في تأويل التوراة ، ذاهبا إلى أن كثيرا مما فيها رموز إلى أشياء غير ظاهرة ، ويقول الكاتبون في تاريخ الفلسفة :

--> ( 1 ) الحجج البهية ص 175 - 176 .