محمد حسين الذهبي

269

التفسير والمفسرون

ومن ذلك أيضا أنه فسر قوله تعالى في الآيتين ( 142 ، 143 ) من سورة الأعراف « وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . . الآية » تفسيرا باطنيا فقال : ( المراد بالليل - كما سمعته منى مرارا - هو عبارة عن أيام غيبة شمس الحقيقة ، واليوم على حسب ما نزل في التوراة المقدس يحسب كل يوم واحد بسنة واحدة ، وكان موسى عليه السلام لما فارق أرض مصر ، وفر من فرعون وملئه إلى مدين ، كان ابن ثلاثين ، وأقام في مدين عشر سنوات يشتغل فيها برعى أغنام شعيب النبي عليه السلام ، وكان في طي هذه المدة التي كانت كالليالى المظلمة ، والدياجى الكالحة من ظلم الفراعنة ، وأوهام الصابئة ، مشتغلا بتهذيب أخلاقه ، وتطييب أعراقه ، وتنقية فؤاده ، والمناجاة مع ربه في وحدته وانفراده ، فلما طاب خلقه ، وتم خلقه ، بعثه اللّه نبيا لهداية بني إسرائيل ، وإنقاذهم من ذلك الوبيل . فالمراد بأربعين ليلة هو أربعون سنة ، أقام موسى عليه السلام في أثنائها في مصر ومدين ، ولا تنافى كلمة واعدنا هذا التفسير ، حيث ظاهرها يقتضى تكلم الرب مع موسى قبل بعثته ، فإن أمثال هذه الكلمة كثيرا ما أطلقت على ما ألقى في الروع ، وألهم في القلب ، حتى على الحيوانات ، كما يدل عليه قوله تعالى : « وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً « 1 » » . « وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ » ظاهر الآية المباركة يدل على أن موسى عليه السلام أخلف أخاه هارون حينما كان مع الشعب في البرية ، كما هو مذكور في التواريخ ، إلا أن التواريخ القديمة مظلمة جدا ، حيث أن المؤرخين اعتمدوا في هذه المسائل على ما جاء في التوراة وسائر الكتب العتيقة ، ولكنا أثبتنا في كتاب الدرر البهية ضعف هذا المستند من حيث العلم ، فيجوز أن يكون هارون مستخلفا عن موسى عليهما السلام ؛ لحفظ الشعب أيام غياب موسى في مدين ، وقد كان بنو إسرائيل يحافظون على التوحيد من لدن جدهم إبراهيم عليه السلام ، فلما غاب موسى وضع بنو إسرائيل رسم عجل أبيس أحد معبودات المصريين

--> ( 1 ) في الآية ( 68 ) من سورة النحل .