محمد حسين الذهبي
270
التفسير والمفسرون
تزلفا إلى فرعون وقومه ، فكأنهم تجنسوا بالجنسية المصرية ، واعتنقوا الديانة الوثنية ، فلما رجع موسى عليه السلام ورآهم على تلك الحال السيئة والعبادة الباطلة ، أنكر ذلك على هارون ، كما ذكره المؤرخون ، إذ لا يعقل أن بني إسرائيل على ما عرفوا بصلابة الرأي يتركون ديانتهم الموروثة بسبب تأخير موسى عن الرجوع إليهم عشر ليال . . . ثم قال تعالى « وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » اعلم - حفظك اللّه - أن علماءنا - سامحهم اللّه - اختلفوا في رؤية اللّه تعالى وعدم جواز رؤيته ، فالشيعة والمعتزلة أنكروا جواز رؤيته ، حيث تقتضى الجهة والمقابلة ، وهي من مقتضيات الجسد والتحين والتحدد وأمثال ذلك ، وهو منزه عن تلك الأوصاف ، إذ لم يفهموا من لفظة اللّه سوى الذات ، ولا شك أن الذات منزهة عن تلك الصفات . وأهل السنة والجماعة جوزوا رؤية اللّه تعالى اعتمادا على صريح الآيات ، واستنادا على صريح الأحاديث والروايات ، وكانوا على هذه العقيدة الصالحة إلى أواسط القرون الهجرية ، فمزجوها بالعقائد الوهمية ، حيث شاعت في تلك القرون بينهم المسائل الكلامية ، والمعارف الناقصة العقلية ، فإنهم قالوا : إن رؤية اللّه تعالى جائزة وواقعة في القيامة ، إلا أنها ليست من قبيل الإحاطة بالنظر ، فترى ذات اللّه تعالى من غير مواجهة ، ومقابلة ، وكيفية وإحاطة ، مما يرجع إلى الوهم الصريح ، وانكار الرؤية حقيقة . وأهل البهاء المستظلين بظلال الفرع الكريم المتشعب من الدوحة المباركة العليا ، لما عرفوا - على حسب ما يعلمون من القلم الأعلى - أن ذات اللّه بسبب تجردها وتقديسها الذاتي لا تدرك ، ولا توصف ولا تسمى باسم ، ولا تشارك بإشارة ، ولا ؟ ؟ ؟ بإرجاع ضمير . والأسماء والأوصاف وكل ما يسند ويضاف إليها راجعة في الحقيقة إلى مظاهرها ومطالعها ولذلك سهل عليهم فهم معنى أمثال تلك الألفاظ التي نزلت في الكتب المقدسة