محمد حسين الذهبي
236
التفسير والمفسرون
خلصوا من السجن ظهرت دعوتهم ، ثم استفحل أمرها ، واستطار خطرها إلى كثير من بلاد المسلمين . وما زالت لها بقية إلى يومنا هذا بين كثير ممن يدعون الإسلام « 1 » . احتيالهم على الوصول إلى أغراضهم : رأى المؤسسون لمبادئ الباطنية أنه لا طاقة لهم بالوقوف في وجه المسلمين صراحة وجهارا ، فاحتالوا - كما قلنا - على الوصول إلى مآربهم بشتى الحيل ، فاندسوا بين المسلمين باسم الحدب على الإسلام ، وتلفعوا بالتشيع والموالاة لأهل البيت ، وتظاهروا بالورع الكاذب ، وجعلوا ذلك كله ستارا لما يريدون أن يبذروه بين المسلمين من بذور الفساد والاضطراب في العقيدة والسياسة . ومن المحزن أن يدعى هؤلاء الملاحدة الانتماء إلى أهل بيت النبوة ، ويصلون أنسابهم بأنسابهم عن طريق آباء وأئمة مستورين ، فيلقى هذا الادّعاء رواجا وقبولا من أناس ضعفاء أغمار ، غرهم التباكي على آل البيت والتحزن عليهم ، فتحركت أحقاد دفينة ، وثارت فتن دامية بين المسلمين كان لها أثرها وخطرها . أسس هؤلاء الباطنية الجمعيات السرية لنشر مذهبهم وهدم مذهب المسلمين ، ورسموا لهذا المذهب خطة دبروها بنوع من المكر والخديعة ، فجعلوا هدفهم الأول : الاحتيال على الطعام بتأويل الشرائع إلى ما يعود إلى قواعدهم من الإباحة والإلحاد ، وتدرجوا في وصولهم إلى غرضهم هذا بجعلهم الدعوة على مراتب وهي ما يأتي : مراتب الدعوة عند الباطنية : أولا - الذوق : وهو تفرس حال المدعو ، هل هو قابل للدعوة أولا ؟ ولذلك منعوا من إلقاء البذر في السبخة . أي دعوى من ليس قابلا لها ، ومنعوا التكلم في بيت فيه سراج . . أي في موضع فيه فقيه أو متعلم . ثانيا - التأنيس : باستمالة كل أحد من المدعوين بما يميل إليه بهواه وطبعه ،
--> ( 1 ) انظر الفرق بين الفرق ص 266 والتبصير في الدين ص 83 .