محمد حسين الذهبي
213
التفسير والمفسرون
إذا تقرر ذلك نقول : إنه عرج ببدنه الطبيعي وعليه عباءة ونعلاه إلى بيت المقدس ، ومنه إلى السماوات ، ومنها إلى الملكوت ، ومنها إلى الجبروت ، ومنها إلى العرش الذي هو فوق الإمكان ، وفي هذا السير تخلف جبريل عنه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه كان من عالم الإمكان ، ولم يكن له طريق إلى ما فوق الإمكان ؛ لأن الملائكة كل له مقام معلوم لا يتجاوزه ، بخلاف الإنسان . ولم يكن منه ذلك المعراج إلا مرتين كما في الأخبار ، ولا يلزم منه خرق السماوات ؛ لارتفاع حكم الملك عن بدنه بغلبة الملكوت - ولا استغراب في عروج البدن الطبيعي إلى الملكوت والجبروت - ولسقوط حكم الملك بل حل الإمكان عنه مع بقاء عينه ، ولا غرو في كثرة وقائعه في المعراج ؛ فإنه من بسط الدهر مع قصر الزمان كما قال : « وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 1 » » وقال أيضا : « فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ « 2 » » فقدر ساعة من الدهر بإزاء ساعة من الزمان تكون كألف ساعة من الزمان أو خمسين ألف ساعة « 3 » . . . اه ) . ومثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 21 ) من سورة الحجر : « وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » يقول ما نصه : ( اعلم أنه قد يطلق الشيء ويراد به ما يساوق الموجود ، فيشمل الحق الأول تعالى شأنه . وقد يطلق ويراد به المشيء وجوده ، فلا يشمل الحق الأول ، ولا حضره الأسماء ولا حضرة الفعل الذي هو مبدأ إضافاته ، ويشمل الممكنات كلها من حضرة العقول المعبر عنها بالأقلام العالية والملائكة المقربين ، وحضرة الأرواح المعبر عنها بأرباب الأنواع والصافات صفا ، وحضرة النفوس الكلية المعبر عنها بالأرواح الكلية المحفوظة والمدبرات أمرا ، وحضرة النفوس الجزئية المعبر عنها بألواح المحو والإثبات وبعالم المثال باعتبارين ، ويشمل موجودات عالم الطبع تماما ، وكل ما في تلك الحضرات له حقيقة في حضرة الأسماء ، وحقيقة في حضرة الفعل والإضافة الإلهية الإشراقية .
--> ( 1 ) في الآية ( 47 ) من سورة الحج . ( 2 ) في الآية ( 4 ) من سورة المعارج . ( 3 ) ج 1 ص 419 .