محمد حسين الذهبي
212
التفسير والمفسرون
فإذا غلب واحد من تلك العوالم على ما دونه صار ما دونه بحكمة ، وذهب عنه حكم نفسه . ثم اعلم أن الإنسان مختصر من تلك العوالم ، وله مراتب بإزاء تلك العوالم ، وكل مرتبة عالية لها الحكومة على ما دونها من غير فرق ، كما نشاهده من حكومة النفس على البدن والقوى ، لكن تلك المراتب في أكثر الناس بالقوة ، وما بالفعل من النفس المجردة التي هي بإزاء عالم النفوس ضعيفة غاية الضعف ، بحيث لا يمكنها التصرف في بدنها زائدا على ما جعله اللّه في جبلتها ، فكيف بغير بدنها ؟ فإذا صار بعض تلك المراتب بالفعل كما في أكثر الأنبياء والأولياء ، أو جميعها كما في خاتم الأنبياء وصاحبي الولاية الكلية ، كان لهم التصرف في أبدانهم باي نحو شاءوا ، وفي سائر أجزاء العالم ، كما روى عن الأنبياء والأولياء من طي المكان والزمان ، والسير على الماء والهواء ، ودخول النار ، وإحياء الموتى ، وإماتة الأحياء ، وقلب الماهيات ، وغير ذلك مما لا ينكر تمامها لكثرتها ، وتواتر الأخبار بمجموعها وإن كان آحادها غير متواترة . وأما التصرف في البدن الطبيعي بحيث يخرجه عن حكم الإمكان ويدخله في عالم العرش الذي هو فوق الإمكان وفوق عالم العقول والملائكة المقربين ، كما روى أن جبريل تخلف عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم في المعراج ، وقال : لو دنوت أنملة لاحترقت ، مع أنه من عالم العقول المقربين ، فهو من خواص خاتم الكل في الرسالة والنبوة والولاية ، وهو من خواص نبينا صلى اللّه عليه وسلم لا يشاركه فيه غيره لا نبي مرسل ولا خاتم الأولياء . ولذلك جعلوا المعراج الجسماني بالكيفية المخصوصة من خواصه صلى اللّه عليه وسلم . ولما كان المعراج بتلك الكيفية أمرا لا يتصور أمر فوقه من الممكن ، وكان لا يتيسر إلا إذا غلب العالم الذي فوق الإمكان على البدن الطبيعي ، ولا تتيسر تلك الغلبة بسهولة ولكل أحد وفي كل زمان ، قالوا : إن المعراج للنبي صلى اللّه عليه وسلم كان مرتين ؛ مع أنه نسب إلى بعض العرفاء أنه قال : إني أعرج كل ليلة سبعين مرة ، والمعراج بالروح أمر يقع لكثير من الرياضيين ، بل ورد أن الصلاة معراج المؤمن .