محمد حسين الذهبي
126
التفسير والمفسرون
يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب . . عن الحسن ومجاهد . واستدل أصحابنا بالآية على أن الأنبياء يورثون المال ، وأن المراد بالإرث المذكور فيها المال دون العلم والنبوة ، بأن قالوا : إن لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلا على ما ينقل من الموروث إلى الوارث كالأموال ، ولا يستعمل في غير المال إلا على طريق المجاز والتوسع ، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة . وأيضا فإن زكريا قال في دعائه ( واجعله رب رضيا ) أي اجعل يا رب ذلك المولى الذي يرثني رضيا عندك ممتثلا لأمرك ، ومتى حملنا الإرث على النبوة لم يكن لذلك معنى ، وكان لغوا عبثا ، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد . اللهم ابعث لنا نبيا ، واجعله عاقلا رضيا في أخلاقه ، لأنه إذا كان نبيا فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في النبوة ، ويقوى ما قلناه أن زكريا صرح بأنه يخاف بنى عمه بعده بقوله ( وإني خفت المولى من ورائي ) وإنما يطلب وارثا لأجل خوفه ، ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة والعلم ، لأنه كان أعلم باللّه تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيا من ليس بأهل النبوة ، وأن يورث علمه وحكمته من ليس لهما يأهل ، ولأنه إنما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس ، فكيف يخاف من الأمر الذي هو الغرض من بعثته . فإن قيل : إن هذا يرجع عليكم في ورثة المال ، لأن في ذلك إضافة الضن والبخل إليه ، إليه ، قلنا : معاذ اللّه أن يستوى الأمران ، فإن المال قد يروق المؤمن والكافر ، والصالح والصالح ، ولا يمتنع أن يأسى على بنى عمه إذا كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا ينبغي ، بل في ذلك غاية الحكمة ، فإن تقوية الفساق وإعانتهم على أفعالهم المذمومة محظورة في الدين ، فمن عد ذلك بخلا وضنا فهو غير منصف . وقوله : « خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي » يفهم منه أن خوفه إنما كان من أخلاقهم وأفعالهم ومعان فيهم لا من أعيانهم ، كما أن من خاف اللّه تعالى فإنما خاف عقابه ، فالمراد به : خفت تضييع الموالى مالي وإنفاقهم إياه في معصية اللّه « 1 » ) اه . وعندما فسر قوله تعالى في الآية ( 16 ) من سورة النمل ( . . . وَوَرِثَ سُلَيْمانُ
--> ( 1 ) ج 2 ص 114 ، 115 .