محمد حسين الذهبي

54

التفسير والمفسرون

ما استأثر اللّه بعلمه كقيام الساعة ، وحقيقة الروح ، وغير ذلك من كل ما يجرى مجرى الغيوب التي لم يطلع اللّه عليها نبيه ، وإنما فسر لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعض المغيبات التي أخفاها اللّه عنهم وأطلعه عليها وأمره ببيانها لهم ، وفسر لهم أيضا كثيرا مما يندرج تحت القسم الثالث ، وهو ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم ، كبيان المجمل ، وتخصيص العام ، وتوضيح المشكل ، وما إلى ذلك من كل ما خفى معناه والتبس المراد به . هذا ، وإن مما يؤيد أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفسر كل معاني القرآن ، أن الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين ، وقع بينهم الاختلاف في تأويل بعض الآيات ، ولو كان عندهم فيه نص عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما وقع هذا الاختلاف ، أو لارتفع بعد الوقوف على النص . بقي بعد هذا أن نجيب عن الشق الثاني من السؤال ، وهو : على أي وجه كان بيان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للقرآن ؟ فنقول : إن الناظر في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يجد فيهما ما يدل على أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وظيفته البيان لكتاب اللّه ، أو بعبارة أخرى ، ما يدل على أن مركز السنة النبوية من القرآن ، مركز المبين من المبين . فمن القرآن ، قوله تعالى : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » ومن السنة ، ما رواه أبو داود عن المقدام بن معديكرب ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلى ، ولا كل ذي ناب من السباع ، ولا لقطة معاهد ، إلا أن يستغنى عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه ، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه » « 1 » .

--> ( 1 ) القرطبي ج 1 ص 37 - 38