محمد حسين الذهبي

53

التفسير والمفسرون

وأما الدليل الثاني ، فلا يدل أيضا على ندرة ما جاء عن النبي عليه السلام في التفسير ؛ إذ أن دعوى إمكان التفسير بالنسبة لآيات قلائل ، وتعذره بالنسبة للكل غير مسلمة ، وأما ما قيل من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يؤمر بالتنصيص على المراد في جميع الآيات لأجل أن يتفكر الناس في آيات القرآن فليس بشيء ، إذ أن النبي عليه الصلاة والسلام مأمور بالبيان ، وقد يشكل الكثير على أصحابه فيلزمه البيان ، ولو فرض أن القرآن أشكل كله على الصحابة ما كان للنبي عليه الصلاة والسلام أن يمتنع عن بيان كل آية منه « بمقتضى أمر اللّه له في الآية « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » . وأما الدليل الثالث ، فلو سلمنا أنه يدل على أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يفسر كل معاني القرآن ، فلا نسلم أنه يدل على أنه فسر النادر منه كما هو المدعى . اختيارنا في المسألة : والرأي الذي تميل إليه النفس - بعد أن اتضح لنا مغالاة كل فريق في دعواه وعدم صلاحية الأدلة لإثبات المدعى - هو أن نتوسط بين الرأيين فنقول : إن الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين الكثير من معاني القرآن ؛ لأصحابه ، كما تشهد بذلك كتب الصحاح ، ولم يبين كل معاني القرآن ؛ لأن من القرآن ما استأثر اللّه تعالى بعلمه ، ومنه ما يعلمه العلماء ، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها ، ومنه ما لا يعذر أحد في جهالته كما صرح بذلك ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير ، قال : ( التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تعرفه العلماء . وتفسير لا يعلمه إلا اللّه » « 1 » . وبدهى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب ؛ لأن القرآن نزل بلغتهم ، ولم يفسر لهم ما تتبادر الأفهام إلى معرفته وهو الذي لا يعذر أحد بجهله ؛ لأنه لا يخفى على أحد ، ولم يفسر لهم

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 1 ص 25