محمد حسين الذهبي

52

التفسير والمفسرون

كان يبين لهم ما أشكل عليهم فهمه من القرآن ، لا كل معانيه ما أشكل منها وما لم يشكل . وأما استدلالهم بما روى عن عثمان وابن مسعود وغيرهما من أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى اللّه عليه وسلم عشر آيات من القرآن لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها ، فهو استدلال لا ينتج المدعى ، لأن غاية ما يفيده ، أنهم كانوا لا يجاوزون ما تعلموه من القرآن حتى يفهموا المراد منه ، وهو أعم من أن يفهموه من النبي صلى اللّه عليه وسلم أو من غيره من إخوانهم الصحابة ، أو من تلقاء أنفسهم ، حسبما يفتح اللّه به عليهم من النظر والاجتهاد . وأما الدليل الثالث ، فكل ما يدل عليه : هو أن الصحابة كانوا يفهمون القرآن ويعرفون معانيه ، شأن أي كتاب يقرؤه قوم ، ولكن لا يلزم منه أن يكونوا قد رجعوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في كل لفظ منه : وأما الدليل الرابع ، فلا يدل أيضا ، لأن وفاة النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يبين لهم آية الربا لا تدل على أنه كان يبين لهم كل معاني القرآن ، فلعل هذه الآية كانت مما أشكل على الصحابة ، فكان لا بد من الرجوع فيها إلى النبي عليه السلام ، شأن غيرها من مشكلات القرآن . مناقشة أدلة الفريق الثاني : وأما استدلال أصحاب الرأي الثاني بحديث عائشة ، فهو استدلال باطل ؛ لأن الحديث منكر غريب ، لأنه من رواية محمد بن جعفر الزبيري ، وهو مطعون فيه ، قال البخاري : لا يتابع في حديثه ، وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي « منكر الحديث » وقال فيه ابن جرير الطبري « إنه ممن لا يعرف في أهل الآثار » ، وعلى فرض صحة الحديث فهو محمول - كما قال أبو حيان - على مغيبات القرآن ، وتفسيره لمجمله ، ونحوه مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من اللّه « 1 » . وفي معناه ما قاله ابن جرير « 2 » . وما قاله ابن عطية « 3 » .

--> ( 1 ) البحر المحيط ج 1 ص 13 . ( 2 ) في تفسيره ج 1 ص 29 . ( 3 ) ونقله عنه القرطبي في تفسيره ج 1 ص 31 .