محمد حسين الذهبي

51

التفسير والمفسرون

أدلة من قال بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يبين لأصحابه إلا القليل من معاني القرآن : استدل أصحاب هذا الرأي بما يأتي : أولا : ما أخرجه البزار عن عائشة قالت : ما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن إلا آيا بعدد ، علمه إياهن جبريل » « 1 » . ثانيا : قالوا : إن بيان النبي صلى اللّه عليه وسلم لكل معاني القرآن متعذر ولا يمكن ذلك إلا في آي قلائل ، والعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل ، ولم يأمر اللّه نبيه بالتنصيص على المراد في جميع آياته لأجل أن يتفكر عباده في كتابه « 2 » . ثالثا : قالوا : لو كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين لأصحابه كل معاني القرآن لما كان لتخصيصه ابن عباس بالدعاء له بقوله : « اللهم فقهه في الذين وعلمه التأويل » فائدة ؛ لأنه يلزم من بيان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه كل معاني القرآن استواؤهم في معرفة تأويله ، فكيف يخصص ابن عباس بهذا الدعاء ؟ « 3 » . مغالاة الفريقين : ومن يتأمل فيما تقدم من أدلة الفريقين يتضح له أنهما على طرفي نقيض . ورأيي أن كل فريق منهم مبالغ في رأيه . وما استند إليه كل فريق من الأدلة يمكن مناقشته بما يجعله لا ينهض حجة على المدعى . مناقشة أدلة الفريق الأول : فاستدلال ابن تيمية ومن معه على رأيهم بقوله تعالى : « لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » استدلال غير صحيح ، لأن الرسول - بمقتضى كونه مأمورا بالبيان -

--> ( 1 ) القرطبي ج 1 ص 31 ، ورواية الطبري في تفسيره ج 1 ص 21 ( . . . إلا آيا تعد ) وفي ضحى الإسلام ج 2 ص 138 بلفظ ( . . . إلا آيات تعد ) . ( 2 ) انظر ما نقله السيوطي في الإتقان عن الخويى ح 2 ص 174 . ( 3 ) انظر القرطبي ج 1 ص 33