محمد حسين الذهبي

480

التفسير والمفسرون

وروى أنه حدّث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذب المحدث به وقال : إن كانت القصة على ما في كتاب اللّه فما ينبغي أن يلتمس خلافها ، وأعظم بأن يقال غير ذلك ، وإن كان كما ذكرت وكف اللّه عنها سترا على نبيه ، فما ينبغي إظهارها عليه ، فقال عمر : لسماعى هذا الكلام أحب إلى مما طلعت عليه الشمس . والذي يدل عليه المثل الذي ضربه اللّه لقصته عليه السلام ليس إلا طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب ) ا ه « 1 » . فأنت ترى أن الزمخشري يرتضى قصة النزول عن الزوجة ، وقصة الخطبة على الخطبة ، ولا يرى في ذلك إخلالا بعصمة داود ، ولا مساسا بمقام النبوة ، وبمثل قصة النزول بما كان من تنازل الأنصار للمهاجرين عن أزواجهم في مبدأ الهجرة ، ويرى أن الآية تدل على ذلك ، ولكنه يستنكر القصة الأخيرة ، ويذكر من الأخبار ما يؤكد استبعادها ؛ وذلك لأنه يرى فيها - لو صحت - إخلالا بمقام النبوة ، وهدما لعصمة نبي اللّه داود عليه السلام . كذلك نرى الزمخشري في السورة نفسها عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 34 ) « وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ » يقول ( قيل فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة ، وملك بعد الفتنة عشرين سنة . وكان من فتنته ، أنه ولد له ابن فقالت الشياطين : إن عاش لم ننفك من السخرة ، فسبيلنا أن نقتله أو نخبله ، فعلم . فكان يغذوه في السحاب ، فما راعه إلا أن ألقى على كرسيه ميتا ، فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه ، فاستغفر ربه وتاب إليه . وروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( قال سليمان : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ، كل واحدة تأتى بفارس يجاهد في سبيل اللّه ، ولم يقل إن شاء اللّه فطاف عليهن فلم يحمل إلا امرأة واحدة ؛ جاءت بشق رجل والذي نفسي بيده لو قال : إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون ) . فذلك قوله تعالى « وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ » . وهذا ونحوه مما لا بأس به .

--> ( 1 ) الكشاف ج 2 ص 279 - 280 .