محمد حسين الذهبي

471

التفسير والمفسرون

وفي الوقت نفسه لم يترك ابن المنير فرصة تمر بدون أن يكيل للزمخشري بمثل كيله من الإقذاع في القول والسخرية به وبأمثاله من المعتزلة ، فنراه يرد هجمات الزمخشري التي يشنها على أهل السنة بعبارات شديدة يوجهها إلى الزمخشري وأصحابه ، مع تحقيره له ولهم ، واستبشاعه لتفسيره وتفسيرهم . فمثلا في سورة آل عمران عندما تكلم الزمخشري عن قوله تعالى في الآية ( 18 ) « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . . . الآية » ونوه بأنه وأصحابه أهل العدل والتوحيد ، وأنهم أولوا العلم المرادون بالآية ، وصرح - أو كاد - بخروج أهل السنة من ملة الإسلام . عندما تكلم الزمخشري بهذا كله ، عقب عليه ابن المنير بتهكمه اللاذع ، وسخريته الفاضحة فقال : ( وهذا تعريض بخروج أهل السنة من ربقة الإسلام ، بل تصريح ، وما ينقم منهم إلا أن صدقوا وعد اللّه عباده المكرمين على لسان نبيهم الكريم صلّى اللّه عليه وسلم بأنهم يرون ربهم كالقمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته ، ولأنهم وحدوا اللّه حق توحيده « فشهدوا ان لا إله إلا هو » « ولا خالق لهم ولأفعالهم إلا هو ، واقتصروا على أن نسبوا لأنفسهم قدرة تقارن فعلهم « لا خلق لها ولا تأثير غير التمييز بين أفعالهم الاختيارية والاضطرارية . وتلك هي المعبر عنها شرعا بالكسب في مثل قوله تعالى : « فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » . هذا إيمان القوم وتوحيدهم ، لا كقوم يغيرون في وجه النصوص ، فيجحدون الرؤية التي يظهر أن جحدهم لها سبب في حرمانهم إياها « ويجعلون أنفسهم الخسيسة شريكة للّه في مخلوقاته ؛ فيزعمون أنهم يخلقون لأنفسهم ما شاءوا من أفعال على خلاف مشيئة ربهم « محادة ومعاندة للّه في ملكه ، ثم بعد ذلك يتسترون بتسمية أنفسهم أهل العدل والتوحيد ، واللّه أعلم بمن اتقى ، ولجبر خير من إشراك ، إن كان أهل السنة مجبرة فأنا أول المجبرين . ولو نظرت أيها الزمخشري بين الإنصاف إلى جهالة القدرية وضلالها لانبعثت إلى حدائق السنة وظلالها ، ولخرجت من مزالق البدع ومزالها - ولكن كره