محمد حسين الذهبي

464

التفسير والمفسرون

الهدى له ، وفي زعمهم أن اللّه تعالى لم يخلق لأحد من المهتدين الهدى ولا يتوقف ذلك على خلقه . تعالى اللّه عما يقولون . ولما فطن الزمخشري لذلك جرى على عادته في تحريف الهدى من اللّه تعالى إلى اللطف الذي بسببه يخلق العبد الاهتداء لنفسه . فأنصف من نفسك ، وأعرض قول القائل : المهتدى من اهتدى بنفسه من غير أن يهديه اللّه - أي يخلق له الهدى - على قوله تعالى حكاية عن قول الموحدين في دار الحق « وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا اللّه » وانظر تباين هذين القولين ، أعنى قول المعتزلي في الدنيا وقول الموحد في الآخرة في مقعد صدق ، وأختر لنفسك أي الفريقين تقدى به . وما أراك - والخطاب لكل عاقل - تعدل بهذا القول المحكى عن أولياء اللّه في دار السلام منوها به في الكتاب العزيز ، قول قدرى ضال تذبذب مع هواه وتعصبه في دار الغرور والزوال . نسأل اللّه حسن المآب والمآل » ا ه « 1 » . خصومة العقيدة بين الزمخشري وأهل السنة : ومن أجل هذا الخلاف العقيدي بين الزمخشري وأهل السنة ، نجد الخصومة بينهم حادة عنيفة ، كل يتهم خصمه بالزيغ والضلال ، ويرميه بأوصاف يسلكه بها في قرن واحد مع الكفرة الفجرة ، وتلك - على ما أعتقد - مبالغة مسفة في الخصومة ، ما كان ينبغي لأحد الخصمين أن يخوض فيها على هذا الوجه . وبخاصة بعد ما عرف من أن كليهما يهدف إلى تنزيه اللّه عما لا يليق بكماله . وإليك بعض الحملات التي وجهها كل من الخصمين إلى الآخر ؛ لتلمس بنفسك مبلغ هذه الخصومة وتحكم عليها : حملة الزمخشري على أهل السنة : هذا ، وإن المتتبع لما في الكشاف من الجدول المذهبى ، ليجد أن الزمخشري

--> ( 1 ) الانتصاف : هامش الكشاف ج 1 ص 486 .