محمد حسين الذهبي
463
التفسير والمفسرون
الزمخشري أن الهدى ليس خلق اللّه وإنما العبد يخلقه لنفسه ، وإن أطلق اللّه تعالى إضافة الهدى إليه كما في هذه الآية فهو مؤول على زعم الزمخشري بلطف اللّه الحامل للعبد على أن يخلق هداه . إن هذا إلا اختلاق . وهذه النزعة من توابع معتقدهم السيئ في خلق الأفعال ، وليس علينا هداهم ، ولكن اللّه يهدى من يشاء ، وهو المسؤول ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا » « 1 » ا ه . وعندما تكلم الزمخشري عن قوله تعالى في الآية ( 39 ) من سورة الأنعام « مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » وقال : « مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ » أي يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به ؛ لأنه ليس من أهل اللطف . « وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » أي يلطف به ؛ لأن اللطف يجدى عليه « 2 » . عندما قال ذلك تعقبه ابن المنير فقال : ( وهذا من تحريفاته للهداية والضلالة اتباعا لمعتقده الفاسد في أن اللّه تعالى لا يخلق الهدى ولا الضلال ، وأنهما من جملة مخلوقات العباد . وكم تخرق عليه هذه العقيدة فيروم أن يرقعها ، وقد اتسع الخرق على الرافع « 3 » ا ه . وعندما تكلم الزمخشري عن قوله تعالى في الآية ( 43 ) من سورة الأعراف « وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ » وتأول الهداية هنا بمعنى اللطف والتوفيق كعادته . تعقبه ابن المنير ورد عليه ردا في غاية التهكم والسخرية فقال : ( وهذه الآية - يعنى قوله تعالى « وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا » - تكفح وجوه القدرية بالرد ؛ فإنها شاهدة شهادة تامة مؤكدة باللام على أن المهتدى من خلق اللّه له الهدى ، وأن غير ذلك محال أن يكون ؛ فلا يهتدى إلا من هدى اللّه ولو لم يهده لم يهتد ، وأما القدرية فيزعمون أن كل مهتد خلق لنفسه الهدى فهو إذا مهتد وإن لم يهده اللّه ؛ إذ هدى اللّه للعبد خلق
--> ( 1 ) الانتصاف هامش الكشاف ج 1 ص 285 . ( 2 ) الكشاف ج 1 ص 451 . ( 3 ) الانتصاف هامش الكشاف ج 1 ص 451 .