محمد حسين الذهبي

451

التفسير والمفسرون

« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ » « 1 » من غير تصور قبضة وطي ويمين ، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه ، وتمثيل حسن ، ألا ترى إلى قوله : « وما قدروا اللّه حق قدره » . . . ا ه « 2 » . وبطبيعة الحال لم يرتض ابن المنير هذا الكلام فتعقبه بقوله « قوله في الوجه الأول : إن ذلك تخييل للعظمة ، سوء أدب في الإطلاق ، وبعد في الإصرار ؛ فإن التخييل إنما يستعمل في الأباطيل وما ليست له حقيقة صدق ؛ فإن يكن معنى ما قاله صحيحا ، فقد أخطأ في التعبير عنه بعبارة موهمة ، لا مدخل لها في الأدب الشرعي . وسيأتي له أمثالها مما يوجب الأدب أن يجتنب » ا ه « 3 » . وفي سورة الأعراف عند قوله تعالى في الآيتين ( 172 ، 173 ) : « وإذ أخذ ربك من بنى آدام من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون » يقول ما نصه : وقوله « ألست بربكم قالوا بلى شهدنا » من باب التمثيل ، ومعنى ذلك ، أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته ، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم ، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى ، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم ، وقال لهم ألست بربكم ، وكأنهم قالوا : بلى أنت ربنا ، شهدنا على أنفسنا : وأقررنا بوحدانيتك . وباب التمثيل واسع في كلام اللّه تعالى ورسوله عليه السلام وفي كلام العرب ، ونظيره قوله تعالى

--> ( 1 ) في الآية ( 67 ) من سورة الزمر . ( 2 ) الكشاف ج 1 ص 278 - 279 . ( 3 ) المرجع السابق ( هامش ) .