محمد حسين الذهبي
448
التفسير والمفسرون
ولا هو حاملا لها . ونحوه قولهم : لا يملك مولى لمولى نصرا ، يريدون أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها ولا يمسكها كما يمسكها الخاذل ، ومنه قول القائل : أخوك الذي لا تملك الحس « 1 » نفسه * وترفض عند المحفظات الكتائف أي لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده ، بل يبذل ذلك ويسمح به . ومنه قولهم : ابغض حق أخيك ؛ لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤده ، وإذا أبغضه أخرجه وأداه . فمعنى « فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان » فأبين إلا أن يؤدينها وأبى الإنسان إلا أن يكون محتملا لها لا يؤديها . ثم وصفه بالظلم لكونه تاركا لأداء الأمانة ، وبالجهل لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤه . والثاني - أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله ، أنه عرض على أعظم ما خلق اللّه من الأجرام وأقواه وأشده أن يتحمله ويستقل به ، فأبى حمله والاستقلال به ، وأشفق منه ، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته « إنه كان ظلوما جهولا » حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها ، وضمنها ثم خاص بضمانه فيها : ونحو هذا الكلام كثير في لسان العرب ، وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم . من ذلك قولهم « لو قيل للشحم أين تذهب لقال : أسوى العوج » وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات ، وتصور مقاولة الشحم محال ولكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبيحة ؛ كما أن العجف مما يقبح حسنه ، فصور أثر السمن فيه تصويرا هو أوقع في نفس السامع ، وهي به آنس ، وله أقبل وعلى حقيقته أوقف ، وكذلك تصوير عظم الأمانة ، وصعوبة أمرها ، وثقل محملها ، والوفاء بها . . . وهنا تقوم أمام الزمخشري صعوبات ومشاكل يصورها لنا في سؤاله
--> ( 1 ) الحس : مصدر قولك حس له ؛ أي دق له ؛ والبيت لذي الرمة .