محمد حسين الذهبي

449

التفسير والمفسرون

« فإن قلت » قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأى واحد : أراك تقدم رجلا وتؤخر أحرى ؛ لأنه مثلث حاله في تميله وترجحه بين الرأيين ، وتركه المضي على أحدهما ، بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه المضي في وجهة ، وكل واحد من الممثل والممثل به شئ مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة ، وليس كذلك ما في هذه الآية ؛ فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال في نفسه غير مستقيم ، فكيف صح بناء التمثيل على المحال ؟ وما مثال هذا إلا أن تشبه شيئا والمشبه به غير معقول ا ه . ولكن الزمخشري لا يقف طويلا أمام هذه الصعوبات ، بل نراه يتخلص منها بكل دقة وبراعة حيث يقول : ( قلت الممثل به في الآية ، وفي قولهم لو قيل للشحم أين تذهب ، وفي نظائره ، مفروض ، والمفروضات تتخيل في الذهن كما المحققات مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله ، بحاله المفروضة لو عرضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) ا ه « 1 » . ثم إن هذه الطريقة التي يعتمد عليها الزمخشري في تفسيره ، أعنى طريقة الفروض المجازية ، وحمل الكلام الذي يبدو غريبا في ظاهره على أنه من قبيل التعبيرات التمثيلية أو التخييلية ، قد أثارت حفيظة خصمه السنى ابن المنير الإسكندري عليه ، فاتهمه بأشنع التهم في كثير من المواضع التي تحمل هذا الطابع ، ونسبه فيها إلى قلة الأدب وعدم الذوق . فمثلا عندما يعرض الزمخشري لقوله تعالى في الآية ( 21 ) من سورة الحشر ( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) نراه يقول « هذا تمثيل وتخييل

--> ( 1 ) الكشاف ج 2 ص 223 - 224 .