محمد حسين الذهبي

446

التفسير والمفسرون

سورة القيامة « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » يتخلص من المعنى الظاهر لكلمة ناظرة ؛ لأنه لا يتفق مع مذهبه الذي لا يقول برؤية اللّه تعالى ، ونراه يثبت له معنى آخر هو التوقع والرجاء ، ويستشهد على ذلك بالشعر العربي فيقول ما نصه : « إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره ، وهذا معنى تقديم المفعول ، ألا ترى إلى قوله « إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ » « 1 » ، « إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ » « 2 » . « إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ « 3 » « إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ « 4 » « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » « 5 » . « عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ « 6 » كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص ، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ، ولا تدخل تحت العدد ، وفي محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم ؛ فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم ؛ لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورا إليه محال ، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص . والذي يصح معه ، أن يكون من قول الناس : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي ، تريد معنى التوقع والرجاء ، ومنه قول القائل : وإذا نظرت إليك من ملك * والبحر دونك زدتنى نعما وسمعت سروية « 7 » مستجدية بمكة وقت الظهر ، حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم ، تقول « عيينتى نويظرة إلى اللّه وإليكم » والمعنى : أنهم

--> ( 1 ) الآية ( 12 ) من سورة القيامة . ( 2 ) الآية ( 30 ) من سورة القيامة . ( 3 ) في الآية ( 53 ) من سورة الشورى . ( 4 ) في الآية ( 28 ) من سورة آل عمران ، ( 42 ) من سورة النور ، ( 18 ) من سورة فاطر . ( 5 ) في الآية ( 245 ) من سورة البقرة . وفي مواضع أخرى كثيرة من القرآن ( 6 ) في الآية ( 10 ) من سورة الشورى . ( 7 ) فعلها نسبة إلى سرو : محلة حمير .