محمد حسين الذهبي
445
التفسير والمفسرون
« ألم » جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها « وذلك الكتاب » جملة ثانية « ولا ريب فيه » ثالثة « وهدى للمتقين » رابعة ، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة ، وموجب حسن النظم ، حيث جئ بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق ، وذلك لمجيئها مناخية آخذا بعضها بعنق بعض ، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها . . . وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة . بيان ذلك . أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ثم أشير إليه بأنه الكتاب المبعوث بغاية الكمال ، فكان تقريرا لجهة التحدي وشدا من أعضاده ، ثم نفى عنه أنه يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة وتسجيلا بكماله ؛ لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين ، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة . وقيل لبعض العلماء : فيم لذتك ؟ فقال : في حجة تتبختر اتضاحا ، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا . ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله ، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا هذا الترتيب الأنيق ، ونظمت هذا النظم السرى ، من نكتة ذات جزالة . ففي الأولى : الحذف ، والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه ، وفي الثانية : ما في التعريف من الفخامة . وفي الثالثة : ما في تقديم الريب على الظرف وفي الرابعة : الحذف ، وضع المصدر الذي هو هدى موضع الوصف الذي هو هاد ، وإيراده منكرا ، والإيجاز في ذكر المتقين . زادنا اللّه اطلاعا على أسرار كلامه ، وتبينا لنكت تنزيله ، وتوفيقا للعمل بما فيه » « 1 » ا ه . تذرعه بالمعاني اللغوية لنصرة مذهبه الاعتزالى : كذلك نرى الزمخشري - كغيره من المعتزلة - إذا مر بلفظ يشتبه عليه ظاهره ولا يتفق مع مذهبه ، يحاول بكل جهوده أن يبطل هذا المعنى الظاهر ، وأن يثبت للفظ معنى آخر موجودا في اللغة . فمثلا نراه عندما تعرض لتفسير قوله تعالى في الآيتين ( 22 ، 23 ) من
--> ( 1 ) الكشاف ج 1 ص 92 - 94 .