محمد حسين الذهبي

432

التفسير والمفسرون

بعض الحقائق من الحجب ، أفاضوا في الاستحسان والتعجب ، واستطيروا شوقا إلى مصنف يضم أطرافا من ذلك ، حتى اجتمعوا إلى مقترحين أن أملى عليهم الكشف عن حقائق التنزيل ، وعيون الأقاويل ، في وجوه التأويل ، فاستعفيت ، فأبوا إلا المراجعة والاستشفاع بعظماء الدين ، وعلماء العدل والتوحيد . والذي حدانى إلى الاستعفاء - على علمي أنهم طلبوا ما الإجابة إليه على واجبة ، لأن الخوض فيه كفرض العين - ما أرى عليه الزمان من رثاثة أحواله ، وركاكة رجاله ، وتقاصر همهم عن أدنى عدد هذا العلم ، فضلا أن تترقى إلى الكلام المؤسس على علمي البيان والمعاني ، فأمليت عليهم مسألة في الفواتح ، وطائفة من الكلام في حقائق سورة البقرة ، وكان كلاما مبسوطا كثير السؤال والجواب ، طويل الذيول والأذناب ، وإنما حاولت به التنبيه على غزارة نكت هذا العلم ، وأن يكون لهم منارا ينتحونه ، ومثالا يحتذونه ، فلما صمم العزم على معاودة جوار اللّه ، والإناخة بحرم اللّه فتوجهت تلقاء مكة ، وجدت في مجتازى بكل بلد من فيه مسكة من أهلها - وقليل ما هم - عطشى الأكباد إلى العثور على ذلك المملى ، متطلعين إلى إيناسه ، حراصا على اقتباسه ، فهز ما رأيت من عطفى ، وحرك الساكن من نشاطي ، فلما حططت الرحل بمكة إذا أنا بالشعبة السنية من الدوحة الحسنية : الأمير الشريف ، الإمام شرف آل رسول اللّه ، أبى الحسن ، بن حمزة بن وهاس - أدام اللّه مجده - وهو النكتة والشامة في بنى الحسن ، مع كثرة محاسنهم ، وجموم مناقبهم ، أعطش الناس كبدا ، وألهبهم حشى ، وأوفاهم رغبة ، حتى ذكر أنه كان يحدث نفسه في مدة غيبتي عن الحجاز مع تزاحم ما هو فيه من المشادة ، بقطع الفيافي وطى المهامة ، والإفادة علينا بخوارزم ؛ ليتوصل إلى إصابة هذا الغرض ، فقلت : قد ضاقت على المستعفى الحيل ، وعيّت به العلل . ورأيتني قد أخذت منى السن ، وتقعقع الشن ، وناهزت العشر التي سمتها العرب دقاقة الرقاب « 1 » ،

--> ( 1 ) وهي ما بين الستين إلى السبعين ، وهي معترك المنايا .