محمد حسين الذهبي

433

التفسير والمفسرون

فأخذت في طريقة أخصر من الأولى ، مع ضمان التكثير من الفوائد ، والفحص عن السرائر ، ووفق اللّه وسدد ، ففرغ منه في مقدار مدة خلافة أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه « 1 » وكان يقدر تمامه في أكثر من ثلاثين سنة . وما هي إلا آية من آيات هذا البيت المحرم ، وبركة أفيضت على من بركات هذا الحرم المعظم . أسأل اللّه أن يجعل ما تعبت فيه سببا ينجيني ، ونورا لي على الصراط يسعى بين يدي ويميني ، ونعم المسؤول « 2 » . هذه قصة تأليف الكشاف كما يرويها الزمخشري نفسه . قيمة الكشاف العلمية : وأما قيمة هذا التفسير . فهو - بصرف النظر عما فيه من الاعتزال - تفسير لم يسبق مؤلفه إليه ؛ لما أبان فيه من وجوه الإعجاز في غير ما آية من القرآن ؛ ولما أظهر فيه من جمال النظم القرآني وبلاغته وليس كالزمخشرى من يستطيع أن يكشف لنا عن جمال القرآن وسحر بلاغته ؛ لما برع فيه من المعرفة بكثير من العلوم ، لا سيما ما برز فيه من الإلمام بلغة العرب . والمعرفة بأشعارهم . وما امتاز به من الإحاطة بعلوم البلاغة . والبيان . والإعراب . والأدب ، ولقد أضفى هذا النبوغ العلمي والأدبي على تفسير الكشاف ثوبا جميلا ، لفت إليه أنظار العلماء وعلّق به قلوب المفسرين . هذا وقد أحس الزمخشري إحساسا قويا بضرورة الإلمام بعلمى المعاني والبيان قبل كل شئ ، لمن يريد أن يفسر كتاب اللّه عز وجل ، وجهر بذلك في مقدمة الكشاف فقال : ( . . . ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح ، وأنهضها

--> ( 1 ) وهي سنتان وأربعة أشهر ، أو وثلاثة أشهر وتسع ليال . وفي كشف الظنون ج 2 ص 172 أنه فرغ من تأليفه ضحوة الاثنين الثاني من ربيع الآخر في عام ثمان وعشرين وخمسمائة ، وكذا في خاتمة الكشاف . ( 2 ) الكشاف ج 1 ص 15 - 19 .