محمد حسين الذهبي

422

التفسير والمفسرون

الجواب لم يخرج الحساب عن بابه ، وعن معنى المحاسبة المعروفة ، والمقابلة بالأعمال وترجيحها ، وذلك غير الجزاء الذي يفضى الحساب إليه . وقد طعن بعضهم في الجواب الثاني معترضا على أبى على الجبائي في اعتماده إياه ؛ بأن قال : مخرج الكلام في الآية على وجه الوعيد ، وليس في خفة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضى زجرا ، ولا هو مما يتوعد بمثله فيجب أن يكون المراد الإخبار عن قرب أمر الآخرة ، والمجازاة على الأعمال . وهذا الجواب ليس أبو علي المبتدئ به ، بل قد حكى عن الحسن البصري ، واعتمده أيضا قطرب بن المستنير النحوي ، وذكره الفضل بن سلمة ، وليس الطعن الذي حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له ؛ لأنه اعتمد على أن مخرج الآية مخرج الوعيد ، وليس كذلك ؛ لأنه قال تعالى « . . . فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * » ومنهم من يقول « رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ * أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ » فالأشبه بالظاهر أن يكون وعدا بالثواب ، وراجعا إلى الذين يقولون ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، أو يكون راجعا إلى الجميع ، فيكون المعنى أن للجميع نصيبا مما كسبوا ، فلا يكون وعيدا خالصا بل إما أن يكون وعدا خالصا ، أو وعدا ووعيدا . على أنه لو كان وعيدا خالصا على ما ذكر الطاعن لكان لقوله تعالى « وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ » على تأويل من أراد قصر الزمان وسرعة الموافقة وجه وتعلق بالوعد والوعيد ؛ لأن الكلام على كل حال متضمن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد ، والإحاطة بخيرها وشرها وإن وصف الحساب مع ذلك بالسرعة ، وفي هذا ترغيب وترهيب لا محالة ؛ لأن من علم بأنه يحاسب بأعماله ، ويوقف على جميلها وقبيحها انزجر عن القبيح ، وعمل ورغب في فعل الواجب ، فهذا ينصر الجواب ، وإن كنا لا ندفع أن في حمل الجواب على قرب المجازاة ، وقرب المحاسبة على الأعمال ترغيبا في الطاعات ، وزجرا على المقبحات ، فالتأويل الأول أشبه بالظاهر ونسق الآية ، إلا أن التأويل الآخر غير مدفوع أيضا ولا مردود إ ه