محمد حسين الذهبي
423
التفسير والمفسرون
فأنت ترى في المثالين الأولين كيف تخلص من ظاهر اللفظ الذي يمس عقيدته بمهارته اللغوية وتوسعه في المعرفة بأشعار العرب ، كما ترى في المثال الثالث كيف لم يقبل قول من قال : إن معنى سريع الحساب سريع العلم ، أو سريع القبول للدعاء ؛ لأن القولين لم يستندا - كما قال - إلى أصل لغوى ، أو عرفى ، أو شرعي . دفعه لموهم الاختلاف والتناقض : هذا ، وإن الشريف المرتضى لا يقتصر في أماليه على هذا النوع المذهبى من التفسير ، بل نجده يعرض لبعض الإشكالات التي ترد على ظاهر النظم الكريم مما يوهم الاختلاف والتناقض ، ثم يجيب عنها بدقة بالغة ، ترجع إلى مهارته في اللغة وإحاطته بفنونها . فمثلا في المجلس الثالث ج 1 ص 18 - 20 يقول ما نصه : « تأويل آية » إن سأل سائل فقال : ما تقولون في قوله تبارك وتعالى حكاية عن موسى « فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ » « 1 » وقال تعالى في موضع آخر « وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ » « 2 » . والثعبان الحية العظيمة الخلقة ، والجان الصغير من الحيات ، فكيف اختلف الوصفان والقصة واحدة ؟ وكيف يجوز أن تكون العصا في حال واحدة بصفة ما عظم خلقه من الحيات وبصفة ما صغر منها ؟ وبأي شئ تزيلون التناقض عن هذا الكلام ؟ ( الجواب ) أول ما نقوله : إن الذي ظنه السائل من كون الآيتين خبرا عن قصة واحدة باطل ، بل الحالتان مختلفتان ، فالحال التي أخبر أن العصا فيها بصفة الجان ، كانت في ابتداء النبوة وقبل مصير موسى إلى فرعون . والحال التي صار العصا عليها ثعبانا ، كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة ، والتلاوة تدل على ذلك
--> ( 1 ) الآية ( 32 ) من سورة الشعراء . ( 2 ) في الآية ( 31 ) من سورة القصص .