محمد حسين الذهبي
405
التفسير والمفسرون
ناحية ما فيها من التفسير ، أما الناحية الحديثية والأدبية فلا تعنينا في هذا البحث ، وإن كان لها قيمتها ومكانتها العلمية بين رجال الدين والأدب . نتصفح كتاب الأمالي ، ونجيل النظر بين ما فيه من بحوث في التفسير ، فنجد السيد الشريف يسعى بكل جهوده إلى الوصول إلى مبادئه الاعتزالية عن طريق التفسير ، مستعينا في ذلك بنبوغه الأدبي ، ومعرفته بفنون اللغة وأساليبها ، حتى أننا لنراه يقف من الآيات التي تعارضه موقفا يلتزم فيه مخالفة ظاهر القرآن ، ويفضل فيه التفاسير الملتوية لبعض الألفاظ على ما يتبادر منها إرضاء لعقيدته ، وتمشيا مع مذهبه . وإليك بعض الأمثلة من تفسيره للآيات التي تدور حول العقيدة ، لتقف على حقيقة الأمر ، ولتلمس مقدار هذا التعصب المذهبى عند هذا الشريف العلوي . رؤية اللّه : يقول في المجلس الثالث ج 1 ص 28 - 29 : ( مسألة ) اعلم بأن أصحابنا قد اعتمدوا في إبطال ما ظنه أصحاب الرؤية في قوله تعالى : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » « 1 » على وجوه معروفة ، لأنهم بينوا أن النظر ليس يفيد الرؤية ، ولا الرؤية من أحد محتملاته ، ودلوا على أن النظر ينقسم إلى أقسام كثيرة : منها تقليب الحدقة الصحيحة في جهة المرئى طلبا للرؤية ، ومنها النظر الذي هو الانتظار ومنها النظر الذي هو التعطف والمرحمة ، ومنها النظر الذي هو الفكر والتأمل . وقالوا : إذا لم يكن في أقسام النظر الرؤية ، لم يكن للقوم بظاهرها تعلق ، واحتجنا جميعا إلى طلب تأويل الآية من جهة غير الرؤية . وتأولها بعضهم على الانتظار للثواب ، وإن كان المنتظر في الحقيقة محذوفا ، والمنتظر منه مذكورا على عادة للعرب معروفة . وسلّم بعضهم أن النظر يكون الرؤية بالبصر . وحمل الآية على
--> ( 1 ) الآيتان ( 22 ؛ 23 ) من سورة القيامة .