محمد حسين الذهبي
367
التفسير والمفسرون
الصحابة إلى مذاهب دينية وآراء في الملل والنحل ، فلما وقع هذا التفرق الذي أشرنا إليه وأجملنا مبدأه وتطوره ، رأينا كل فرقة من هذه الفرق تنظر إلى القرآن من خلال عقيدتها ، وتفسره بما يتلاءم مع مذهبها ، فالمعتزلى يطبق القرآن على مذهبه في الاختيار ، والصفات ، والتحسين والتقبيح العقليين . . . ويؤول ما لا يتفق ومذهبه ، وكذلك يفعل الشيعي ، وكذلك يفعل كل صاحب مذهب حتى يسلم له مذهبه . غير أننا لم نحط علما بكل هذه النظرات المذهبية في القرآن ، ولم يقع تحت أيدينا من كتب التفسير المذهبية إلا القليل النادر بالنسبة لما حرمت منه المكتبة الإسلامية ، على أن هذا القليل ليس إلا لبعض الفرق دون بعض ، وهناك تفسيرات وتأويلات لبعض من آيات القرآن لبعض من الفرق ، ولكنها متفرقة مشتتة بين صحائف كتب التفسير خاصة وكتب العلم عامة . وهناك فرق أخرى لم نظفر لها بتفسير كامل ولا بشيء من التفسير ، ولهذا أرى أن أتكلم عن التفسير المذهبى لا لكل الفرق ، بل للفرق التي ألفت وخلفت لنا كتبا في التفسير ، ووقعت تحت أيدينا ، فاستطعنا بعد القراءة فيها والنظر إليها أن نحكم عليها بما يتناسب مع المنهج الذي انتهجه فيها مؤلفوها ، والطريق الذي سلكوه في شرحهم لكتاب اللّه تعالى . وسبق لنا أن تكلمنا عن التفسير بالرأي الجائز وأهم ما ألف فيه من كتب ، وذلك هو تفسير أهل السنة والجماعة ، وتلك هي أشهر تفاسيرهم التي خلفوها للناس ، فلا نعود لذلك ، بل نشرع في الكلام عن موقف غيرهم من الفرق ، بالنسبة لكتاب اللّه تعالى . وعن أهم ما خلفوه لنا من كتب في التفسير ، واللّه يتولانا ويسدد خطانا ؛ إنه سميع مجيب .