محمد حسين الذهبي
282
التفسير والمفسرون
والجهة الثانية مراعى فيها مجرد اللفظ وما يجوز أن يريد به العربي ، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به والمخاطب ، وسياق الكلام . ثم إن الخطأ الذي يرجع إلى الجهة الأولى يقع على أربع صور . الصورة الأولى : أن يكون المعنى الذي يريد المفسر نفيه أو إثباته صوابا ، فمراعاة لهذا المعنى يحمل عليه لفظ القرآن ، مع أنه لا يدل عليه ولا يراد منه ، وهو مع ذلك لا ينفى المعنى الظاهر المراد ، وعلى هذا يكون الخطأ واقعا في الدليل لا في المدلول ، وهذه الصورة تنطق على كثير من تفاسير الصوفية والوعاظ الذين يفسرون القرآن بمعان صحيحة في ذاتها ولكنها غير مرادة ، ومع ذلك فهم يقولون بظاهر المعنى ، وذلك مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمى في حقائق التفسير ، فمثلا عندما عرض لقوله تعالى في الآية ( 66 ) من سورة النساء « وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ . . . » الآية » نجده يقول ما نصه : اقتلوا أنفسكم بمخالفة هواها ، أو اخرجوا من دياركم ، أي أخرجوا حب الدنيا من قلوبكم . . » إلخ « 1 » . الصورة الثانية : أن يكون المعنى الذي يريد المفسر نفيه أو إثباته صوابا فمراعاة لهذا المعنى يسلب لفظ القرآن ما يدل عليه ويراد به . ويحمله على ما يريده هو ، وعلى هذا يكون الخطأ واقعا في الدليل لا في المدلول أيضا ، وهذه الصورة تنطبق على تفاسير بعض المتصوفة الذين يفسرون القرآن بمعان إشارية صحيحة في حد ذاتها ، ومع ذلك فإنهم يقولون : إن المعاني الظاهرة غير مرادة ، وتفسير هؤلاء أقرب ما يكون إلى تفسير الباطنية ، ومن ذلك ما فسر به سهل التستري قوله تعالى في الآية ( 32 ) من سورة البقرة « . . . ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين » حيث يقول ما نصه : لم يرد اللّه معنى الأكل في الحقيقة ، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشئ هو غيره إلخ « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير السلمى ص 49 ( 2 ) تفسير التستري ص 16