محمد حسين الذهبي
274
التفسير والمفسرون
برأيه ؛ لأنهم أعلم بكتاب اللّه ، وأدرى بأسرار التنزيل ؛ لما شاهدوه من القرائن والأحوال ؛ ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح ، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم ، كالأئمة الأربعة : الخلفاء الراشدين ، وأبي بن كعب ، وابن مسعود ، وابن عباس وغيرهم . وقد سبق لنا أن عرضنا لقول الصحابي ، هل له حكم المرفوع أولا ، واستوفينا الكلام في ذلك بما يغنى عن إعادته هنا . ثم هل للمفسر أن يعدل عن أقوال التابعين في التفسير ، أو لا بد له من الرجوع إلى أقوالهم ؟ خلاف سبق لنا أن عرضنا له أيضا فلا داعى لإعادته . رابعا : الأخذ بمطلق اللغة ، لأن القرآن نزل بلسان عربى مبين ، ولكن على المفسر أن يحترز من صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة ، يدل عليها القليل من كلام العرب ، ولا توجد غالبا إلا في الشعر ونحوه ، ويكون المتبادر خلافها ، روى البيهقي في الشعب عن مالك رضى اللّه عنه أنه قال « لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب اللّه إلا جعلته نكالا » . خامسا : التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع ، وهذا هو الذي دعا به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لابن عباس حيث قال « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » والذي عناه على رضى اللّه عنه بقوله - حين سئل : هل عندكم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شئ بعد القرآن - لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يؤتيه اللّه عز وجل رجلا في القرآن . ومن هنا اختلف الصحابة في فهم بعض آيات القرآن ، فأخذ كل بما وصل إليه عقله ، وأداه إليه نظره « 1 » .
--> ( 1 ) انظر ما نقل عن الزركشي في الإتقان ج 2 ص 178 - 179