محمد حسين الذهبي
259
التفسير والمفسرون
ذلك بقوله تعالى ، اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى « 1 » » ويريد من فرعون النفس ، ولا شك أن مثل هذا قائل في القرآن برأيه . ومنها : أن النهى محمول على من يقول في القرآن بظاهر العربية ، من غير أن يرجع إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله ، وأدوا إلينا من السنن ما يكون بيانا لكتاب اللّه تعالى ، وبدون أن يرجع إلى السماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن ، وما فيه من المبهمات . والحذف ، والاختصار ، والإضمار ، والتقديم ، والتأخير ، ومراعاة مقتضى الحال ، ومعرفة الناسخ والمنسوخ ، وما إلى ذلك من كل ما يجب معرفته لمن يتكلم في التفسير ، فإن النظر إلى ظاهر العربية وحده لا يكفى ، بل لا بد من ذلك أولا ، ثم بعد ذلك يكون التوسع في الفهم والاستنباط . فمثلا قوله تعالى : « وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها » « 2 » معناه ؛ وآتينا ثمود الناقة معجزة واضحة ، وآية بينة على صدق رسالته ، فظلموا بعقرها أنفسهم ، ولكن الواقف عند ظاهر العربية وحدها بدون أن يستظهر بشيء مما تقدم ، يظن أن مبصرة من الإبصار بالعين ، وهو حال من الناقة ، وصف لها في المعنى ، ولا يدرى بعد ذلك بم ظلموا ، ولا من ظلموا . كل من هذه الأجوبة الثلاثة . يمكن أن يجاب به على من يستند في قوله بحرمة التفسير بالرأي على هذين الحديثين المتقدمين ، وهي أجوبة سليمة دامغة ، كافية لإسقاط حجتهما والاعتماد عليهما . هذا ويمكن الإجابة عن حديث جندب - زيادة عما تقدم - بأن هذا الحديث لم تثبت صحته ، لأن من رواته سهيل بن أبي حزم ، وهو متكلم فيه ، قال فيه أبو حاتم : ليس بالقوى ، وكذا قال البخاري والنسائي ، وضعفه ابن
--> ( 1 ) في الآية 59 من سورة الإسراء . ( 2 ) الآية 24 من سورة طه