محمد حسين الذهبي
25
التفسير والمفسرون
من خواص بلاغية جاءت لمقتضيات معينة ، وهذه لا يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى اتفاقا ، فإن اللغات الراقية وإن كان لها بلاغة ، ولكن لكل لغة خواصها لا يشاركها فيها غيرها من اللغات ، وإذا فلو ترجم القرآن ترجمة حرفية - وهذا محال - لضاعت خواص القرآن البلاغية ، ولنزل من مرتبته المعجزة ، إلى مرتبة تدخل تحت طوق البشر ، ولفات هذا المقصد العظيم الذي نزل القرآن من أجله على محمد صلى اللّه عليه وسلم . وأما الغرض الثاني ، وهو كونه هداية للناس إلى ما فيه سعادتهم في الدارين فذلك باستنباط الأحكام والإرشادات منه ، وهذا يرجع بعضه إلى المعاني الأصلية التي يشترك في تفاهمها وأدائها كل الناس ، وتقوى عليها جميع اللغات ، وهذا النوع من المعاني يمكن ترجمته واستفادة الأحكام منه ، وبعض آخر من الأحكام والإرشادات يستفاد من المعاني الثانوية ، ونجد هذا كثيرا في استنباطات الأئمة المجتهدين ؛ وهذه المعاني الثانوية لازمة للقرآن الكريم وبدونها لا يكون قرآنا . والترجمة الحرفية إن أمكن فيها المحافظة على المعاني الأولية ، فغير ممكن أن يحافظ فيها على المعاني الثانوية ؛ ضرورة أنها لازمة للقرآن دون غيره من سائر اللغات . ومما تقدم يعلم : أن الترجمة الحرفية للقرآن ، لا يمكن أن تقوم مقام الأصل في تحصيل كل ما يقصد منه ؛ لما يترتب عليها من ضياع الغرض الأول برمته ، وفوات شطر من الغرض الثاني . وأما الترجمة الحرفية بغير المثل : فمعناها أن يترجم نظم القرآن حذوا بحذو بقدر طاقة المترجم وما تسعه لغته ، وهذا أمر ممكن ، وهو وإن جاز في كلام البشر ، لا يجوز بالنسبة لكتاب اللّه العزيز ؛ لأن فيه من فاعله إهدارا لنظم القرآن ؛ وإخلالا بمعناه ؛ وانتهاكا لحرمته ، فضلا عن كونه فعلا لا تدعو إليه ضرورة .