محمد حسين الذهبي

26

التفسير والمفسرون

الترجمة الحرفية ليست تفسيرا للقرآن اتضح لنا مما سبق معنى الترجمة الحرفية بقسميها ، وأقمنا الدليل بما يناسب المقام على عدم إمكان الترجمة الحرفية بالمثل ، وعدم جواز الترجمة الحرفية بغير المثل ، وإن كانت ممكنة ، ولكن بقي بعد ذلك هذا السؤال : هل الترجمة الحرفية بقسميها - على فرض إمكانها في الأول وجوازها في الثاني - تسمى تفسيرا للقرآن بغير لغته ؟ أو لا تدخل تحت مادة التفسير ؟ وللجواب عن هذا نقول : إن الترجمة الحرفية بالمثل ، تقدم لنا أن معناها ترجمة نظم الأصل بلغة أخرى تحاكيه حذوا بحذو ، بحيث تحل مفردات الترجمة محل مفردات الأصل وأسلوبها محل أسلوبه ، حتى تتحمل الترجمة ما تحمله نظم الأصل من المعاني البلاغية ، والأحكام التشريعية . وتقدم لنا أيضا أن هذه الترجمة بالنسبة للقرآن غير ممكنة ؛ وعلى فرض إمكانها فهي ليست من قبيل تفسير القرآن بغير لغته ؛ لأنها عبارة عن هيكل القرآن بذاته ، إلا أن الصورة اختلفت باختلاف اللغتين : المترجم منها والمترجم إليها . وعلى هذا فأبناء اللغة المترجم إليها يحتاجون إلى تفسيره وبيان ما فيه من أسرار وأحكام ، كما يحتاج العربي الذي نزل بلغته إلى تفسيره والكشف عن أسراره وأحكامه ؛ ضرورة أن هذه الترجمة لا شرح فيها ولا بيان ، وإنما فيها إبدال لفظ بلفظ آخر يقوم مقامه ، ونقل معنى الأصل كما هو من لغة إلى لغة أخرى . وأما الترجمة الحرفية بغير المثل ، فقد تقدم لنا أن معناها ترجمة نظم القرآن حذوا بحذو ، بقدر طاقة المترجم وما تسعه لغته وتقدم لنا أن هذا غير جائز بالنسبة للقرآن وعلى فرض جوازها فهي ليست من قبيل تفسير القرآن بغير لغته ، لأنها عبارة عن هيكل للقرآن منقوص غير تام ، وهذه الترجمة لم يترتب عليها سوى إبدال لفظ بلفظ آخر يقوم مقامه في تأدية بعض معناه ، وليس في ذلك شئ من الكشف والبيان ، لا شرح مدلول ، ولا بيان مجمل ، ولا تقييد مطلق ولا استنباط أحكام ، ولا توجيه معان ، ولا غير ذلك من الأمور التي اشتمل عليها التفسير المتعارف .