محمد حسين الذهبي

24

التفسير والمفسرون

وأما الترجمة التفسيرية : فهي شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى ، بدون مراعاة لنظم الأصل وترتيبه ، وبدون المحافظة على جميع معانيه المرادة منه . وليس من غرضنا في هذا البحث أن نعرض لما يجوز من نوعي الترجمة بالنسبة للقرآن وما لا يجوز ، ولا لمقالات العلماء المتقدمين والمتأخرين ، ولكن غرضنا الذي نريد أن نكشف عنه ونوضحه هو : أي نوعي الترجمة داخل تحت التفسير ؟ أهو الترجمة الحرفية ؟ أم الترجمة التفسيرية ؟ أم هما معا ؟ فنقول : الترجمة الحرفية للقرآن الترجمة الحرفية للقرآن : إما أن تكون ترجمة بالمثل ، وإما أن تكون ترجمة بغير المثل ، أما الترجمة الحرفية بالمثل : فمعناها أن يترجم نظم القرآن بلغة أخرى تحاكيه حذوا بحذو بحيث تحل مفردات الترجمة محل مفرداته ، وأسلوبها محل أسلوبه ، حتى تتحمل الترجمة ما تحمله نظم الأصل من المعاني المقيدة بكيفياتها البلاغية وأحكامها التشريعية ، وهذا أمر غير ممكن بالنسبة لكتاب اللّه العزيز ؛ وذلك لأن القرآن نزل لغرضين أساسيين : أولهما : كونه آية دالة على صدق النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وذلك بكونه معجزا للبشر ، لا يقدرون على الإتيان بسورة مثله ولو اجتمع الأنس والجن على ذلك . وثانيهما : هداية الناس لما فيه صلاحهم في دنياهم وأخراهم . أما الغرض الأول ، وهو كونه آية على صدق النبي صلى اللّه عليه وسلم فلا يمكن تأديته بالترجمة اتفاقا ؛ فإن القرآن - وإن كان الإعجاز في جملته لعدة معان كالإخبار بالغيب ، واستيفاء تشريع لا يعتريه خلل ، وغير ذلك مما عد من وجوه إعجازه - إنما يدور الإعجاز الساري في كل آية منه على ما فيه