محمد حسين الذهبي
210
التفسير والمفسرون
الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها فيه مؤلفه ، حتى أخرجه للناس كتابا له قيمته ومكانته . ونريد أن نعرض هنا لطريقة ابن جرير في تفسيره ، بعد أن أخذنا فكرة عامة عن الكتاب ، حتى يتبين للقارئ أن الكتاب واحد في بابه ، سبق به مؤلفه غيره من المفسرين ، فكان عمدة المتأخرين ، ومرجعا مهما من مراجع المفسرين ، على اختلاف مذاهبهم ، وتعدد طرائقهم ، فنقول : طريقة ابن جرير في تفسيره : تتجلى طريقة ابن جرير في تفسيره بكل وضوح إذا نحن قرأنا فيه وقطعنا في القراءة شوطا بعيدا ، فأول ما نشاهده ، أنه إذا أراد أن يفسر الآية من القرآن يقول « القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا » ثم يفسر الآية ويستشهد على ما قاله بما يرويه بسنده إلى الصحابة أو التابعين من التفسير المأثور عنهم في هذه الآية ، وإذا كان في الآية قولان أو أكثر ، فإنه يعرض لكل ما قيل فيها ، ويستشهد على كل قول بما يرويه في ذلك عن الصحابة أو التابعين . ثم هو لا يقتصر على مجرد الرواية ، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال ، ويرجح بعضها على بعض ، كما نجده يتعرض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك ، كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن أن تؤخذ من الآية ، مع توجيه الأدلة وترجيح ما يختار . إنكاره على من يفسر بمجرد الرأي : ثم هو يخاصم بقوة أصحاب الرأي المستقلين في التفكير ، ولا يزال يشدد في ضرورة الرجوع إلى العلم الراجع إلى الصحابة أو التابعين ، والمنقول عنهم نقلا صحيحا مستفيضا ، ويرى أن ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح ، فمثلا عندما تكلم عن قوله تعالى في الآية ( 49 ) من سورة يوسف « ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ