محمد حسين الذهبي

209

التفسير والمفسرون

هذا وقد كتب ( نولدكه ) في سنة 1860 م بعد اطلاعه على بعض فقرات من هذا الكتاب « لو كان بيدنا هذا الكتاب لاستغنينا به عن كل التفاسير المتأخرة ، ومع الأسف فقد كان يظهر أنه مفقود تماما ، وكان مثل تاريخه الكبير مرجعا لا يغيض معينه أخذ عنه المتأخرون معارفهم » « 1 » . ويظهر مما بأيدينا من المراجع ، أن هذا التفسير كان أوسع مما هو عليه اليوم ، ثم اختصره مؤلفه إلى هذا القدر الذي هو عليه الآن ، كما أن كتابه في التاريخ ظفر بمثل هذا البسط والاختصار ، فابن السبكي يذكر في طبقاته الكبرى « 2 » « أن أبا جعفر قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ ، فقال ثلاثون ألف ورقة ، فقالوا : هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه ، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة ، ثم قال : هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ ، قالوا : كم قدره ؟ ، فذكر نحوا مما ذكره في التفسير ، فأجابوه بمثل ذلك ، فقال إنا للّه ، ماتت الهمم ، فاختصره في نحو ما اختصر التفسير » ا ه . هذا ونستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذي له الأولية بين كتب التفسير ، أولية زمنية ، وأولية من ناحية الفن والصناعة . أما أوليته الزمنية ، فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا ، وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن ، ولم يصل إلينا شئ منها ، اللهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدده . وأما أوليته من ناحية الفن والصناعة ؛ فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به

--> ( 1 ) المذاهب الاسلامية في تفسير القرآن ص 85 ( 2 ) ج 2 ص 137 .