محمد حسين الذهبي

202

التفسير والمفسرون

ظل الأمر في عهد التابعين على هذا ، فكان ما يروونه من التفسير المأثور عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو عن الصحابة ، لا يروونه إلا بإسناده ، ثم جاء بعد عصر التابعين من جمع التفسير ، ودون ما تجمع لديه من ذلك ، فألفت تفاسير تجمع أقوال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في التفسير ، وأقوال الصحابة والتابعين ، مع ذكر الأسانيد ، كتفسير سفيان بن عيينة ، ووكيع بن الجراح ، وغيرهما ممن تقدم ذكرهم . ثم جاء بعد هؤلاء أقوام ألفوا في التفسير ، فاختصروا الأسانيد ، ونقلوا الأقوال غير معزوة لقائليها ، ولم يتحروا الصحة فيما يروون ، فدخل من هنا الدخيل ، والتبس الصحيح بالعليل . ثم صار كل من يسنح له قول يورده ، ومن يخطر بباله شئ يعتمده ، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ، ظانا أن له أصلا ، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف « 1 » . وفي الحق أن هذا السبب يكاد يكون أخطر الأسباب جميعا ؛ لأن حذف الأسانيد جعل من ينظر في هذه الكتب يظن صحة كل ما جاء فيها ، وجعل كثيرا من المفسرين ينقلون عنها ما فيها من الإسرائيليات والقصص المخترع على أنه صحيح كله ، مع أن فيها ما يخالف النقل ولا يتفق مع العقل . وإذا كان للوضع خطره ، وللإسرائيليات خطرها ، فإن هذا الخطر كان من الممكن تلافيه لو ذكرت لنا هذه الأقوال بأسانيدها ، ولكن حذفها - وللأسف - عمى علينا كل شئ ، وليت هؤلاء الذين حذفوا الأسانيد وعنوا بجمع شتات الأقوال فعلوا كما فعل ابن جرير من رواية كل قول بإسناده ، فهو وإن كان لم يتحر الصحة فيما يرويه ، إلا أن عذره في ذلك ، أنه ذكر لنا

--> ( 1 ) الإتقان ج 2 ص 190 .