محمد حسين الذهبي

201

التفسير والمفسرون

وغاية ما وصلت إليه في هذا الموضوع الذي التوى ، ثم التوى ، حتى صار أعقد من ذنب الضب . ثالثا : حذف الإسناد حذف الإسناد هو السبب الثالث والأخير الذي يرجع إليه ضعف التفسير المأثور ، وسبق أن أشرنا إلى مبدأ اختصار الأسانيد ، ونعود إليه فنقول : إن الصحابة - رضوان اللّه عليهم أجمعين - كانوا يتحرون الصحة فيما يتحملون ، وكان الواحد منهم لا يروى حديثا إلا وهو متثبت مما يقول ، ولكن لم يعرف عن الصحابة أنهم كانوا يسألون عن الإسناد ، لما عرفوا به جميعا من العدالة والأمانة . وإذا كان الأمر قد وصل ببعضهم إلى أنه كان لا يقبل الحديث إلا بعد أن تثبت عنده صحته بالشهادة أو اليمين كما دلت على ذلك الآثار الكثيرة ، فإن الغرض من ذلك هو زيادة التأكد والتثبت ، لا عدم الثقة بمن يروون عنه منهم ، فقد روى أن عمر قال لأبى بن كعب - وقد روى له حديثا - لتأتيني على ما تقول ببينة ، فخرج فإذا ناس من الأنصار فذكر لهم ، قالوا : قد سمعنا هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال عمر : أما إني لم أتهمك ، ولكن أحببت أن أثبت » « 1 » ا ه ثم جاء عصر التابعين ، وفيه ظهر الوضع وفشا الكذب ، فكانوا لا يقبلون حديثا إلا إذا جاء بسنده ، وثبتت لهم عدالة رواته ، أما إن حذف السند ، أو ذكر وكان في رواته من لا يوثق بحديثه ، فإنهم كانوا لا يقبلون الحديث الذي هذا شأنه ، فقد روى الإمام مسلّم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين أنه قال : « لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم » « 2 » .

--> ( 1 ) الأسلوب الحديث ج 1 ص 10 ( 2 ) صحيح مسلّم ج 1 ص 112