محمد حسين الذهبي

190

التفسير والمفسرون

نعتقد صحة هذه القصة ، ورواية ابن جرير لها لا تدل على صحتها ، لأن ابن جرير - كما هو معروف عنه - لم يلتزم الصحة في كل ما يرويه ، والذي ينظر في تفسيره يجد فيه مما لا يصح شيئا كثيرا ، كما أن ما يرويه في تاريخه لا يعدو أن يكون من قبيل الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب ، ولم يقل أحد بأن كل ما يذكر في كتب التاريخ ثابت صحيح . ثم إن ما يعرف عن كعب الأحبار من دينه ، وخلقه ، وأمانته ، وتوثيق أكثر أصحاب الصحاح له ، يجعلنا نحكم بأن هذه القصة موضوعة عليه ، ونحن ننزه كعبا عن أن يكون على علم بمكيدة قتل عمر وما دبر من أمرها ، ثم لا يذكر لعمر من يدبر له القتل ويكيد له ، كما ننزهه عن أن يكون كذابا وضاعا ، يحتال على تأكيد ما يخبر به بنسبته إلى التوراة وصوغه في قالب إسرائيلي . وأما قوله « وعلى الجملة فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح » فإن أراد أن يرجع ذنب هذا الأثر السيئ إلى كعب وأضرابه فنحن لا نوافقه عليه ؛ لأن ما يرويه كعب وغيره من أهل الكتاب لم يسندوه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يكذبوا فيه على أحد من المسلمين ، وإنما كانوا يروونه على أنه من الإسرائيليات الموجودة في كتبهم ، ولسنا مكلفين بتصديق شئ من ذلك ، ولا مطالبين بالإيمان به ، بعد ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ) ، وإذا كانت هذه الإسرائيليات المروية عن كعب وغيره ، قد أثرت في عقيدة المسلمين وعلمهم أثرا غير صالح ، فليس ذنب هذا راجعا إلى كعب وأضرابه ، لأنهم رووه على أنه مما في كتبهم ، ولم يشرحوا به القرآن - اللهم إلا ما يتفق من هذا مع القرآن ويشهد له - ثم جاء من بعدهم فحاولوا أن يشرحوا القرآن بهذه الإسرائيليات فربطوا بينها وبينه على ما بينهما من بعد شاسع ، بل وزادوا على ذلك ما نسجوه من قصص خرافية ، نسبوها لهؤلاء الأعلام ، ترويجا لها وتمويها على العامة .