محمد حسين الذهبي

143

التفسير والمفسرون

فكتب إلى الفراء : إن الأمير الحسن بن سهل ، ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب ، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا ، أو تجعل في ذلك كتابا أرجع إليه فعلت ، فقال الفراء لأصحابه : اجتمعوا حتى أملى عليكم كتابا في القرآن ، وجعل لهم يوما ، فلما حضروا خرج إليهم ، وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة ، فالتفت إليه الفراء فقال له : اقرأ بفاتحة الكتاب نفسرها ، ثم نوفى الكتاب كله ، فقرأ الرجل ويفسر الفراء ، قال أبو العباس : لم يعمل أحد قبله مثله ، ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه » ا ه . فهل نستطيع أن نستخلص من ذلك : أن الفراء المتوفى سنة 207 ه ، هو أول من دون تفسيرا جامعا لكل آيات القرآن مرتبا على وفق ترتيب المصحف ؟ ، وهل نستطيع أن نقول : إن كل من تقدم الفراء من المفسرين كانوا يقتصرون على تفسير المشكل فقط ؟ لا . . . لا نستطيع أن نفهم هذا من عبارة ابن النديم لأنها غير قاطعة في هذا ، كما لا نستطيع أن نميل إليه كما مال إليه الأستاذ أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام ج 2 ص 141 ، وذلك لأن كتاب معاني القرآن للفراء شبيه في تناوله للآى على ترتيبها في السور بكتاب مجاز القرآن لأبى عبيدة ، فإنه يتناول السور على ترتيبها ، ويعرض لما في السورة من آي تحتاج لبيان مجازها - أي المراد منها - فليس للفراء أولية في هذا ، بل تلك على ما يبدو كانت خطة العصر « 1 » ، ثم إن ما نقل لنا عن السلف يشعر - وإن كان غير قاطع - بأن استيفاء التفسير لسور القرآن وآياته كان عملا مبكرا لم يتأخر إلى نهاية القرن الثاني وأوائل الثالث ، فمثلا يقول ابن أبي مليكة « رأيت مجاهدا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه ، فيقول له ابن عباس أكتب . قال : حتى سأله عن التفسير كله « 2 » » .

--> ( 1 ) التفسير . معالم حياته . منهجه اليوم ص 31 - 32 ( هامش ) . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 1 ص 30 .