محمد حسين الذهبي
135
التفسير والمفسرون
والأبواب المفتحة محارم اللّه ، والداعي على رأس الصراط كتاب اللّه ، والداعي فوق الصراط واعظ اللّه في قلب كل مؤمن . ومنهم من قال : هو اتباع السنة والجماعة ، ومنهم من قال : هو طريق العبودية » ومنهم من قال : هو طاعة اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل غير ذلك فهذه كلها أقوال لا منافاة بينها ولا تباين ، بل كلها متفقة في الحقيقة ، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ، وهو طاعة اللّه ورسوله ، وهو طريق العبودية للّه ، فالذات واحدة ، وكل أشار إليها ووصفها بصفة من صفاتها . ثانيا : أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع ، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه . مثال ذلك ما نقل في قوله تعالى « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ » « 1 » فبعضهم فسر السابق بمن يصلى في أول الوقت ، والمقتصد بمن يصلى في أثنائه ، والظالم بمن يصلى بعد فواته . وبعضهم فسر السابق بمن يؤدى الزكاة المفروضة مع الصدقة ، والمقتصد بمن يؤديها وحدها ، والظالم بمانع الزكاة ، فكل من المفسرين ذكر فردا من أفراد العام على سبيل التمثيل لا الحصر ، لتعريف المستمع أن الآية تتناول المذكور ، ولتنبيهه به على نظيره ، فإن التعريف بالمثال قد يكون أسهل من التعريف بالحد المطابق . والعقل السليم يتفطن للنوع بذكر مثاله . وهذا الاختلاف في ذكر المثال لا يؤدى إلى التباين والتناقض بين الأقوال ؛ إذ من المعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات . والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات . والسابق يتناول من تقرب بالحسنات مع الواجبات .
--> ( 1 ) في الآية ( 32 ) من سورة فاطر .