محمد حمد زغلول

463

التفسير بالرأي

القواعد بتداخل بعضها ببعض . فما يراه هذا الفريق من الأصوليين دلالة نص يراه فريق آخر مفهوم موافقة ، وبالإضافة إلى ذلك فإن علماء العربية ، التي هي الركيزة الأساسية في التفسير لا يزالون مختلفين في تفسيرهم للعديد من ألفاظ اللغة العربية . كل هذه العوامل وغيرها أدت إلى تباين المفسرين في توضيحهم لألفاظ القرآن الكريم ومضامينه . والحق الذي لا بد من إشهاره هو أنه من الطبيعي أن يختلف المفسرون في تأويلهم لكتاب اللّه عزّ وجل ، وكيف لا يختلفون واللّه سبحانه وتعالى يقول في محكم تنزيله : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ الكهف : 109 ] . وكذلك فإن القرآن الذي يصلح ويصلّح كل زمان ومكان ، فمن الطبيعي أن تتباين فيه آراء البشر بما يوافق مصالح البشر الذي أنزل هذا القرآن هدى ورحمة لهم ، كما يجوز ضمن مقاصد الشريعة الإسلامية التي تحفظ لكل إنسان كرامته وحقوقه أينما كان ومهما كان جنسه ولونه وفي كل العصور ، أن تختلف آراء المفسرين فيه . ثالثا : كما يصل هذا البحث إلى نتيجة مفادها ، أنه لا يوجد حدّ فاصل بين التفسير بالرأي والتفسير بالمأثور . فالمفسرون بالمأثور لم يكتفوا بما نقل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بل إنهم أعملوا العقل في تفاسيرهم ، فالإمام الجليل وشيخ المفسرين بالمأثور ابن جرير الطبري ورغم أنه من القائلين بعدم جواز التفسير بالرأي ، إلا أنه لم يهمل الرأي بل يبدأ تفسيره للنص القرآني بقوله : « والقول في تأويل قوله تعالى » كذا وكذا ثم يفسر الآية ، وبعد ذلك يستشهد بما يرويه بسنده إلى الصحابة والتابعين من التفسير بالمأثور حول الآية . فهو لا يقتصر تفسيره على مجرد الرواية ، بل نجده يتعرض لتوجيه الأقوال ويرجح بعضها على بعض ، ولا يخفى على الكثيرين أن الترجيح بين الأقوال بحد ذاته إعمال للعقل وعمل بالرأي . وفي الوقت نفسه فإن المفسرين بالرأي المحمود لا يطلقون العنان لعقولهم كيفما اتفق ودون ضابط أو