محمد حمد زغلول

319

التفسير بالرأي

ج - موقفه من الإسرائيليات : من خلال تفسيره يبدو واضحا أن الإمام البيضاوي كان حريصا كل الحرص في الابتعاد عن الإسرائيليات ، وفي حالات قليلة جدا تعرض إلى ذكر بعض الإسرائيليات إلا أنه لم يغفل الحكم على تلك القصص وإن كان بإيجاز شديد ، وكان يكتفي بأن يصدّر الرواية بقوله روي أو قيل إشعارا منه بضعف تلك الرواية ، ومثال ذلك تلك القصة الإسرائيلية التي رواها بعد تفسيره لقوله تعالى : قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [ هود : 40 ] فالمفسّر يعرض لعدد من كانوا في السفينة ونوع الخشب الذي صنعت منه وطولها وعرضها وسمكها ، وأين حمل كل صنف ممن ركبوا مع نوح عليه السلام ، إلا أنه صدّر لهذه القصة بقوله : ( قيل ) : وهذا إشعار منه بضعفها ، فذكر بعد الآية : قيل كانوا تسعة وسبعين ، وهم زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ، ونساؤهم واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم ، وروي أنه عليه السلام صنع السفينة في سنتين من خشت الساج ، وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وسمكها ثلاثين ، وجعل لها ثلاث بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحوش ، وفي أوسطها الإنس وفي أعلاها الطير « 1 » . وكان الأحرى بالإمام الجليل البيضاوي وغيره من المفسرين عدم الخوض في التفاصيل التي لا تسمن ولا تغني من جوع ، كطول السفينة وعرضها ونوع خشبها ومدة صنعها ، والإيمان بأن نوح عليه السلام صنع هذه السفينة حسبما قص اللّه تعالى عليه في كتابه الكريم وذلك تجنبا للإطالة المملة .

--> ( 1 ) - تفسير البيضاوي 3 / 109