محمد حمد زغلول

219

التفسير بالرأي

الحكم في واقعة أخرى مسكوت عنها غير منطوق بها ، لتحقيق موجب الحكم لغة فتسمى هذه الدلالة دلالة نص . وكون الحكم في هذه الدلالة يؤخذ من معنى النص لا من لفظه فقد سماها بعضهم ( دلالة الدلالة ) وتسمى ( بفحوى الخطاب ) عند جمهور المتكلمين ، وسيأتي الحديث عن ذلك إن شاء اللّه تعالى . ففي قوله تعالى : * وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً [ الإسراء : 23 ] فعبارة النص تدل على تحريم التأفف وأن الواجب على الولد أن يستعمل مع الوالدين حسن الخلق ، وزاد الزمخشري الأمر وضوحا حين قال : « حتى لم يرخّص بأدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته ، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة » « 1 » وكل عارف باللغة العربية يدرك أن العلة التي كان من أجلها الأدنى من الكلام وهو قول ( أف ) إنما هو الإيذاء والإيلام للوالدين ، وأن المقصود من تحريم التأفف والنهر هو كف الأذى عنهما ومراعاة حرمتهما . وهذه العلة موجودة في الضرب والشتم وما أشبه ذلك فيتناولها النص وتعتبر حراما ، فتعطى حكم التأفف الذي ثبت بعبارة النص ، ويكون ثبوت التحريم فيها بدلالة النص « 2 » . وفي قوله تعالى : * وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [ آل عمران : 75 ] عبارة النص في الشطر الأول

--> ( 1 ) - تفسير الكشاف 2 / 651 ( 2 ) - انظر أصول السرخسي 1 / 241