محمد حمد زغلول
210
التفسير بالرأي
الحقيقي ، إلّا إن دلت القرينة بشكل قاطع على أن المعنى الحقيقي للآية غير مقصود ، وأن المراد من الآية هو النهي عن كل من البخل والإسراف فاقتضى ذلك صرف الكلام عن معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي . وقد وقع الخلاف بين الفقهاء فيما إذا كان المعنى يحتمل كلا من المعنى الحقيقي والمجازي كما إذا كان بالإمكان فهم المعنى المجازي للكلمة رغم إنها لا تزال قابلة للاستعمال في معناها الحقيقي . ففي هذه الحالة كيف يمكن تفسير النص ؟ بمعناه الحقيقي أم المجازي ؟ أما جماهير الأصوليين فقالوا يفسر النص في هذه الحالة بمعناه الحقيقي عند الإطلاق وعدم وجود قرينة خارجية صارفة إلى المجاز . وأما الأحناف فقالوا بأن النص يفسر بالمعنى المجازي الشائع « 1 » . وأدى هذا الاختلاف بين الجمهور والأحناف ، إلى الاختلاف في استنباط الحكم الشرعي في قوله تعالى بشأن كفارة اليمين : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [ المائدة : 89 ] فالمعنى الحقيقي لهذه الآية هو إطعام عشرة مساكين عدا ، وهذا المعنى الحقيقي غير متروك بل يمكن الأخذ به وهو الظاهر ، وبه أخذ جمهور الأصوليين وقالوا بان الحكم المطلوب هو إطعام عشرة مساكين فعلا ، عملا بالمعنى الحقيقي للفظ ، فالحقيقة ممكنة ولا يوجد ما يمنع من الأخذ بها . وفي مقابل هذا السياق فإن اللفظ في قوله تعالى : عَشَرَةِ مَساكِينَ له معنى مجازي مقبول ، وهو أن يكرر الحانث إطعام
--> ( 1 ) - مسلم الثبوت 1 / 202 .