جلال الدين السيوطي
146
التحبير في علم التفسير
لما روى الحاكم وغيره عن ابن عبّاس قال : قلت لعثمان : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، ووضعتموها في السّبع الطّوال ، فقال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأتي عليه الزّمان وهو ينزل عليه من السّور ذوات العدد ، وكان إذا نزل عليه الشّيء دعا بعض من يكتب له فيقول : « ضعوا هؤلاء الآيات في السّورة الّتي فيها كذا وكذا » . وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ، وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها فظننت أنّها منها فقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يبيّن لنا أنّها منها ، فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم . وقال الحاكم : جمع القرآن ثلاث مرّات . إحداها : بحضرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ روي عن زيد بن ثابت قال : كنّا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، نؤلّف القرآن من الرّقاع - الحديث - وقال : صحيح على شرط الشّيخين . الثّانية : بحضرة أبي بكر ، فروى البخاريّ عن زيد بن ثابت قال : أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر بن الخطّاب عنده ، فقال أبو بكر : إنّ عمر أتاني فقال : أنّ القتل قد استحرّ بقرّاء القرآن وإنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن ، فقلت لعمر : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال عمر : هذا واللّه خير فلم يزل يراجعني حتّى شرح اللّه صدري لذلك ورأيت في ذلك الّذي رأى عمر . قال زيد : قال أبو بكر : إنّك شابّ عاقل لا نتّهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتتبّع القرآن فاجمعه فو اللّه لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن . . . قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال : هو واللّه خير ، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتّى شرح اللّه صدري للّذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرّجال ، ووجدت آخر سورة التّوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ ( 9 ) التوبة : 128 ، 129 ] حتّى خاتمة براءة ، فكانت الصّحف عند أبي بكر حتّى توفّاه اللّه تعالى ، ثمّ عند عمر حياته ، ثمّ عند حفصة بنت عمر . وروى وكيع عن السّدي عن عبد خير عن عليّ قال : أعظم النّاس أجرا في المصاحف أبو بكر ، كان أوّل من جمع بين اللّوحين .