جلال الدين السيوطي
112
التحبير في علم التفسير
وتعريف الخبر باللّام - جاز أن يتوهّم السّامع قبل التّأمّل أنّه ممّا يرمى به جزافا فأتبع نفيا لذلك ، وكقوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فإنّ معناه : أنّه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتّى كأنّه هداية محضة فهو معنى : ذلِكَ الْكِتابُ إذ معناه : الكتاب الكامل والمراد كماله في الهداية . أو بدلا منها لعدم توفيتها بالمراد نحو : أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [ ( 26 ) الشعراء : 132 ، 134 ] فإنّ المراد التّنبيه على نعم اللّه والثّاني أوفى لدلالته عليها بالتّفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين . أو بيانا نحو : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ [ ( 20 ) طه : 120 ] ويكون لفقد الجامع المشترك بين الجمل نحو : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [ ( 2 ) البقرة : 6 ] فصل لكون ما قبله حديثا عن القرآن وصفاته وهذا حديث عن الكفار وصفاتهم . ولاختلاف الجملتين خبرا وإنشاء ، وجوّز النّحاة العطف في مثل ذلك كقوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ ( 2 ) البقرة : 25 ] في سورة البقرة ويسمّى هذا القسم والّذي قبله عند أهل المعاني : كمال الانقطاع . ومن المقتضي للفصل : ألّا يقصد إعطاء الثّانية حكم الأولى نحو : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ ( 2 ) البقرة : 14 ، 15 ] لم يعطف : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ على : إِنَّا مَعَكُمْ لأنّه ليس من مقولهم ولا على : ( قالوا ) لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف . وكذا كونها جوابا لسؤال اقتضته الأولى ويسمّى : استئنافا بيانيا نحو : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ [ ( 24 ) النور : 36 ، 37 ] ، وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ ( 12 ) يوسف : 53 ] فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [ ( 51 ) الذاريات : 25 ] أي : فما ذا قال ؟ وأمّا الوصل فيكون للجامع نحو : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ ( 4 ) النساء : 142 ] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ ( 82 ) الانفطار : 13 ، 14 ] - وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ ( 7 ) الأعراف : 31 ] ، لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ ( 2 ) البقرة : 83 ] أي لا تعبدوا وأحسنوا .