جلال الدين السيوطي
113
التحبير في علم التفسير
النّوع الثّاني والسّبعون : القصر هو تخصيص صفة بأمر دون آخر ، أو أمر بصفة دون أخرى ، فهو قصر موصوف على صفة ، وصفة على موصوف . وله أدوات منها : النّفي والاستثناء نحو : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [ ( 3 ) آل عمران : 144 ] أي : لا يتعدّى إلى التّبرّي من الموت مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ [ ( 5 ) المائدة : 75 ] ألا لا يتعدّى إلى الألوهيّة ، ويسمّى ذلك قصر إفراد ، ويخاطب به من يعتقد الشّركة لقطعها إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ [ ( 43 ) الزخرف : 59 ] به من يعتقد أنّه إله فيسمّى قصر قلب . ومنها إنما نحو : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [ ( 2 ) البقرة : 173 ] أي : ما حرّم إلّا ذلك دون ما ادّعوه من البحيرة والسّائبة ونحوهما قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي . . . [ الأعراف : 203 ] فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ [ ( 13 ) الرعد : 40 ] ، إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [ ( 12 ) يوسف : 86 ] . ومنها : غير نحو : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [ ( 35 ) فاطر : 3 ] ومنها : التّقديم نحو : إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ ( 1 ) الفاتحة : 4 ] ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [ ( 39 ) الزمر : 66 ] . ومنها : أنّما بالفتح عند الزّمخشري والبيضاويّ والتّنّوخي : ومثّلوا بقوله : قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ ( 21 ) الأنبياء 108 ] . ومنها : قلب حروف بعض الكلمة عند الزّمخشريّ أيضا ومثل له بقوله تعالى : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها [ ( 39 ) الزمر : 17 ] فإن القلب للاختصاص بالنسبة إلى لفظ « الطّاغوت » لأن وزنه : فعلوت من الطّغيان قلب بتقديم اللّام على العين فوزنه : فلعوت مبالغة . ومنها : أدوات أخر مختلف فيها وحرّرناها في كتبنا البيانيّة . وأكثر ما تستعمل ( إنّما ) في مواقع التّعريض نحو : إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [ ( 13 ) الرعد : 19 ] فإنّه تعريض بأنّ الكفّار من فرط جهلهم كالبهائم . فائدة : أطلق النّاس أنّ الحصر هو الاختصاص ، واختار السّبكيّ التفرقة بينهما وصنّف في ذلك كتابا لطيفا قال فيه : الحصر : نفي غير المذكور وإثبات المذكور - والاختصاص : قصد الخاصّ من جهة خصوصه فيقدّم للاهتمام به من غير تعرّض لنفي غيره ، قال : وإنّما جاء النّفي في : إِيَّاكَ نَعْبُدُ للعلم بأنّ قائليه لا يعبدون غير اللّه ، ولذا لم يطّرد ذلك في