محمد علي الصابوني
26
التبيان في علوم القرآن
أولا : أن يعبّر كل منهما بقوله ( نزلت هذه الآية في كذا . . ) ويذكر أمرا آخر غير الذي ذكره الأول ، فيحمل على أنه استنباط للحكم ، وتفسير لمعنى الآية ، فلا منافاة بينهما كما مرّ لأنه ليس بسبب للنزول . ثانيا : أن يعبّر أحدهما بقوله ( نزلت الآية في كذا . . ) ويصرّح الآخر بذكر سبب النزول فالمعتمد هنا ( التصريح ) مثاله ما رواه في البخاري عن ( ابن عمر ) رضي اللّه عنه قال : أنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ . . « 1 » الآية في إتيان النساء في أدبارهنّ ، وروى مسلم في صحيحه عن ( جابر ) رضي اللّه عنه قال : كانت اليهود تقول : من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فأنزل اللّه نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ . . الآية فالمعتمد هنا الثاني وهو حديث جابر لأنه نص في السبب فهو نقل ، وقول ابن عمر ليس بنص فيحمل على أنه استنباط للحكم وتفسير له . ثالثا : أن يذكر كل واحد سببا صريحا للنزول غير الآخر فيعتمد هنا الصحيح دون الضعيف . مثاله : ما أخرجه الشيخان عن جندب قال : اشتكى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتته امرأة فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل اللّه وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى « 2 » . وأخرج ( الطبراني ) : أن جروا دخل بيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدخل تحت السرير فمات ، فمكث النبي أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي ، فقال : يا خولة ما حدث في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل لا يأتيني ؟ فقلت في نفسي : لو هيأت البيت وكنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو ، فجاء النبي ترعد لحيته - وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة - فأنزل اللّه : وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى . إلى قوله فَتَرْضى . فنعتمد على الرواية الأولى لأنها في الصحيحين . قال ( ابن حجر ) في شرح البخاري
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 223 . ( 2 ) سورة الضحى ، الآيات : 1 - 3 .