محمد علي الصابوني

23

التبيان في علوم القرآن

قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . . « 1 » الآية فقد قال ما معناه : إن الكفار لما حرّموا ما أحلّ اللّه ، وأحلّوا ما حرّم اللّه ، وكانوا على المضادّة والمحادّة فجاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال : لا حلال إلا ما حرمتموه ، ولا حرام إلا ما أحللتموه ، فلم يقصد حلّ ما وراءه وإنما القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل ، قال ( إمام الحرمين ) : وهذا في غاية الحسن ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية « 2 » توضيح لمعنى الآية الكريمة : وتوضيحا لهذه الفكرة أقول : إن ظاهر الآية الكريمة يدل على حصر المحرمات في هذه الأشياء المذكورة في الآية الكريمة وليس الأمر كذلك ، فإن هناك محرمات غير هذه ، وإنما وردت الآية بصورة الحصر وليس معناها الحصر للرد على المشركين في تحريمهم ما أحلّ اللّه وتحليلهم لما حرّم اللّه . خامسا - ومن أمثلة فوائد سبب النزول أن نعرف اسم من نزلت فيه ليزول اللبس والإبهام فقد زعم ( مروان ) أنّ قوله تعالى وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما . . « 3 » الآية أنها نزلت في ( عبد الرحمن بن أبي بكر ) فردّت عليه عائشة رضي اللّه عنها هذا الزعم الباطل وبيّنت له سبب نزولها ، وتفصيل القصة على ما ذكرها البخاري هي : « إنّ مروان كان عاملا على المدينة ، فأراد ( معاوية ) أن يستخلف ( يزيد ) فكتب إلى مروان بذلك ، فجمع مروان الناس فخطبهم ، فذكر يزيد ودعا إلى بيعته ، وقال : إن أمير المؤمنين أراه اللّه في يزيد رأيا حسنا ، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر ، فقال عبد الرحمن ، ما هي إلا هرقليّة ( يعني انها استبداد للملك كعمل ملوك الروم ) . فقال مروان : سنّة أبي بكر وعمر ، فقال عبد الرحمن : ( هرقلية ) . . . إنّ أبا

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 145 . ( 2 ) أنظر : كتاب الاتقان للسيوطي . ( 3 ) سورة الأحقاف ، الآية : 17 .