السعيد شنوقة

93

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

التوحيد والعدل الإلهيين وغيرهما من الأصول التي قال بها المعتزلة ، فعمد المعتزلة إلى تطوير أسلوب البرهنة من المنهج الديني الخالص الذي يعتمد النص القرآني والحديث إلى المنهج الجدلي الذي يؤسس إقناعه للخصم على مقدمات معروفة الشيوع لا سبيل إلى ردّها أو القدح في صحتها « 1 » . لقد أشرنا من قبل إلى أنّ الأحداث التي جدّت وطرأت باتساع الفتوحات الإسلامية لم يرد فيها نصوص . لذلك لم يجد المسلمون بدا من أن يبحثوا لها عن أحكام من العرف أو بما وسعهم به رأيهم أو اجتهادهم . وكان الفقهاء منهم قبل ذلك يعتمدون في استخراج الأحكام على القرآن الكريم والسنة النبوية قولها وفعلها بالنقل الصحيح وعلى الرأي - بمفهومه العام - الذي نشأ في التشريع مع القرآن والسنة في زمن الرسول والصحابة بمحدودية الحاجة والضرورة والاستعمال لأنّ الأحكام في عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم كانت « تتلقى منه بما يوحى إليه من القرآن ويبيّن بقوله وفعله بخطاب شفوي لا يحتاج إلى نقل ولا إلى نظر وقياس » « 2 » . ثم نزل إجماع الصحابة بعد الرسول منزلة الدليلين السابقين « 3 » وتلا هذه الأدلة دليل القياس حين كثرت الأحداث غير المنصوص عليها في النصوص الثابتة . قال أبو القاسم محمد بن حمد بن جزي الغرناطي المالكي ( ت 741 ه ) « 4 » : يجب على العالم أن ينظر المسألة أولا في الكتاب فإن لم يجدها نظرها في السنة فإن لم يجدها نظرها فيما أجمع عليه العلماء أو اختلفوا فيه فأخذ بالإجماع ورجح بين الأقوال في الخلاف ، فإن لم يجدها في أقوالهم استنبط حكمها بالقياس ، وبغيره من الأدلة وعددها على الجملة عشرون ما بين متفق عليه ومختلف فيه ، وهي : « الكتاب والسنة ، وشرع من قبلنا ، وإجماع الأمة « 5 » ، وإجماع أهل المدينة « 6 » ،

--> ( 1 ) انظر : د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، ط 3 ، 1996 ، ص 45 . ( 2 ) ابن خلدون ، المقدمة ، دار العودة ، بيروت ( د . ت ) ، ص ، 359 ود . مهدي المخزومي ، مدرسة الكوفة ومنهجها في المدارس اللغة والنحو ، دار الرائد العربي ، بيروت ، ط 3 ، ص 1986 ، ص 27 . ( 3 ) م ن ، ص 359 . ( 4 ) تقريب الوصول إلى علم الأصول ، دراسة وتحقيق ، محمد على فركوس ، دار التراث الإسلامي ، الجزائر ، ط 1 ، 1990 ، ص 113 . ( 5 ) هو اتفاق العلماء على حكم شرعي وهو حجة عند جمهور الأمة خلافا للخوارج والروافض . ( 6 ) هو حجة عند مالك وأصحابه ومقدم عندهم على الأخبار : انظر م ن ، ص 132 .